تأثر الأطفال بأصدقائهم

يبدأ الطّفل ببناء صداقاته مع دخوله إلى المدرسة، حيث يتعاطف في البداية مع الجميع معتبرًا أنّ كلّ الأولاد هم أصدقاؤه. فالطّفل في السّنوات الأولى من عمره، يلعب دور المتلقّي الذي يراقب رفاقه مُتلقّياً منهم المثيرات الحسّيّة الصّادرة عنهم: ينظر إلى تعابير وجوههم، ويستمع إلى كلامهم، ويتأمّل ردّات فعلهم الإيجابيّة والسّلبيّة.

وفي هذه الفترة الممتدّة من العام الثّالث حتّى العام السّادس، يتأثر الطّفل أشدّ التّأثّر برفاقه ويميل إلى تقليدهم، آخذاً منهم بعض العادات السّيّئة التي تُسبّب الانزعاج للأهل. لكنْ في أغلب الأحيان، تكون هذه العادات عابرة، إذْ سرعان ما تزول مع تقدّم الطّفل في السّنّ واكتسابه نضوجاً أكبر.

إبداء الملاحظة والمتابعة

في جميع الأحوال، من المهمّ أنْ نشرَح للطّفل عواقب بعض العادات السّيّئة التي قد يُمارسها في هذه المرحلة العمريّة المُبكّرة. نذكر على سبيل المثال تلك التي تتعلّق بالفم أو الأنف، التي تستدعي من الأهل إبداء الملاحظة والمتابعة بتحفيز الولد بواسطة مكافآتٍ معنويّةٍ ومادّيّةٍ نقدّمها له.

فمن الممكن مثلاً، تقسيم اليوم إلى ثلاث فترات: الفترة الأولى تبدأ من وقت الفطور حتّى وقت الغداء، والفترة الثّانية تبدأ من وقت الغداء حتّى وقت تناول الحلوى أيْ أثناء فترة بعد الظّهر، ثمّ حتّى وقت النّوم. بعد ذلك، نطلب من الطّفل عدم ممارسة العادة السّيّئة المُلاحظَة لديه في كلٍّ من الفترات الثّلاث المذكورة، وإذا نجح في ذلك يحصل على صورةٍ لاصقةٍ كإشارةٍ إيجابيّةٍ تهدف إلى تحفيزه وتشجيعه. وعندما يصبح لديه ثلاث صور، أو صورتان في البداية، نسمح له بفعل أمرٍ معيّنٍ يُسعده أو يوفّر له المُتعة.

لا لتقليد الآخرين والحصول على ما بحوزتهم

بعيداً عن العادات التي تُكتسَب عادةً عند الاحتكاك بأطفالٍ آخرين، يتأثّر الأطفال ببعضهم فيرغبون في الحصول على أشياءَ مماثلةٍ لتلك التي بحوزة رفاقهم في الصّفّ، وذلك بدءاً من العام السّادس تقريباً.

هنا، يبدأ الأهل بمواجهة المشاكل مع أولادهم، التي غالباً ما يضطرّون من أجل تلافيها إلى تنفيذ طلبات أولادهم غير المنطقيّة – من وجهة نظرهم - وإلى تأمين أشياءَ يرونها غير صالحةٍ أو مناسبةٍ لأعمارهم.

إنّ الرّضوخ لرغبات الطّفل خوفاً من التّسبّب بعُقدٍ نفسيّةٍ له، قد يظن الأهل أن مصادرها الغيرة أو الإحساس بالنّقص، هذا الرّضوخ خطأٌ يرتكبونه لأنّهم يساهمون في نقل مبادئَ خاطئةٍ لأولادهم، تقوم على ضرورة تقليد الآخرين والحصول على ما بحوزتهم من أجل التّوصّل إلى الشّعور بالاكتفاء الذّاتيّ.

مساعدة الطفل على إدراك ميزاته

لتصحيح هذا الخطأ، على الأهل أن يعلّموا الطّفل "كيف ينظر إلى ما يملك"، أو بمعنى آخر، أن يساعدوه على إدراك الميزات التي يتّسم بها، سواءٌ على الصّعيد الشّخصيّ أو على الصّعيد العائليّ.

تلك الميزات تنبع أوّلاً من الاختلاف عن الآخر في العديد من الأمور، كالعادات العائليّة، والعلاقات بين أفراد العائلة، والممتلكات على أنواعها مثل المنزل والألعاب والدّفاتر والأقلام...

ومن المفيد هنا أن نلفت نظر الطّفل إلى أنّ صديقه لا يملك بدوره الأشياء نفسها التي يملكها هو، وأنّه ليس في إمكان الإنسان أن يحصل على جميع الأغراض التي يرغب فيها.

وبدءاً من العام الخامس، نُعلّم أولادنا كيفيّة التّفكير في أولويّة الأمور بالنّسبة إليهم، فنلفت نظرهم مثلاً إلى ضرورة الحصول على سترةٍ جديدةٍ في فصل الشّتاء بدلاً من الحصول على حذاءٍ جديدٍ يُعجبه.

إنّ مرافقة الطّفل ومساعدته على اكتساب أسلوب تفكيرٍ سليمٍ يؤدّي إلى الشّعور بالقناعة والاكتفاء الذّاتيّ ليست أموراً سهلة، بل مهامُّ تتطلّب الكثير من الصّبر والحكمة، ولا تؤتي ثمارها إلاّ بعد أعوامٍ طويلةٍ نواكب فيها أولادنا خطوةً بخطوةٍ في الخبرات التي يعيشونها.

إرشادات مهمة

في الختام، لا بدّ من تزويدكم ببعض الإرشادات التي تُتَّبع في مختلف المحطّات العمريّة:

راقبوا صداقات أولادكم بالاحتكاك بأصدقائهم وخصوصًا بأهل هؤلاء الأصدقاء.

لا تكفّوا عن التّواصل مع أولادكم بواسطة أحاديثَ ونقاشات توضح لهم حسنات الأمور التي تراودهم وسيّئاتها، والتبرّير لهم رفضكم لتأمين بعض الطّلبات التي ليست إلاّ كماليّاتٍ يُمكن تأجيلها أو حتّى الاستغناء عنها.

لا تطلبوا من أولادكم القبول بما لا تقبلون أنتم به: لا تطلبي مثلاً من طفلك البالغ من العمر أربع سنواتٍ أن يكفّ عن مشاهدة التّلفاز، في الوقت الّذي تتمدّدين أنتِ أمام الشّاشة طيلة النّهار، أو من ابنتك البالغة من العمر ستّة عشر عاماً أن تكفّ عن المطالبة بثيابٍ ذات "ماركاتٍ" معروفةٍ وباهظة الثّمن، إذا كنتِ أنتِ نفسك لا تقبلين ارتداء إلاّ مثل هذه الثّياب! لنتذكّر دوماً، أنّنا في كلّ محطّةٍ من مسيرة تطوّر أولادنا، نقدّم لهم المثال الأوّل للمبادئ والسّلوكيّات. فإذا كان مثل هذا المثال سليماً، تُصبح محاربة "الصّرعات" السّائدة في أيّامنا هذه أكثر سهولة.

مقالات قد تثير اهتمامك

 
 
 

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الاخبارية الخاصة بـ