سِحرُ «هاري بوتر» يفكُّ أسرار الدّماغ؟
سِحرُ «هاري بوتر» يفكُّ أسرار الدّماغ؟

سِحرُ «هاري بوتر» يفكُّ أسرار الدّماغ؟

كتب جوزيف عيساوي:

لم تتردّد ليلى وهبه في جمع حقلَيْن علميَّين للمساهمة مع فريقٍ جامعيٍّ أميركيٍّ في كشفِ المزيد من أسرار الدّماغ البشريّ. وإذا كانت الأبحاث العلميّة ميداناً للرّجل، فإنّ انخراط المرأة في مهنٍ وأبحاثٍ علميّةٍ أو هندسيّةٍ أو رياضيّةٍ وتكنولوجيّةٍ سيُعزّز مكانتها حيث طالما غابت أو بالأحرى غُيِّبت.

وهبه طالبة دكتوراه في جامعة «Carnegie Mellon» في بنسيلفينيا، في الولايات المتّحدة الأميركيّة.
تجمع في بحثها حقلَي المعلوماتيّة (Computer Science) وعلم الأعصاب (NeuroScience) لفـهم الكيفيّة التي يقرأ بها الدّماغ.
وتعتمد لدراسة حركاته جهاز الرّنين المغناطيسيّ الوظيفيّ FMRI الشّبيه بالجهاز الطّبّيّ المعروف لتصوير شكل الدّماغ MRI. لكنّ الآلة الجديدة قادرةٌ على تصوير وظائف الدّماغ وترابطها. وهي تُعطي صورةً كلّ ثانيتَين عن عمل الرّأس.

مشاكل القراءة

لدّكتوراه في أيّار/ مايو المقبل تقول وهبه لـ «الحسناء»: «إنّنا ندرس عمل الدّماغ في فهم الكلام. أوّلاً نحن نرى بالعين ثمّ تعمل الذّاكرة ويتمّ تركيب معنى الجملة. وإذا كنّا نقرأ قصّةً سيُرافق القراءة على مستوى الدّماغ: ماذا سيحدث؟ وبالتّرابط مع ما حدث. كذلك فإنّنا نُفكّر ما هو موقف كلّ شخصيّةٍ من الأخرى؟ كلّ ذلك يحدث في الوقت نفسه وهو معقّد». وتضيف: «في الدّراسات اللّغويّة يدرس الباحث نشاطاً من هذه النّشاطات. أمّا في مجالنا فإنّنا نُحاول فهمها جميعاً في الوقت نفسه. ولذلك وَضَعنا برنامج كمبيوتر يُساعد على متابعة الوظائف المُتشابكة أثناء عمليّة القراءة». وتستطرد: «سبق للباحثين استعمال هذه الآلة حين يقرأ الدّماغ جملاً بسيطة. لكنّنا جعلنا القرّاء والقارئات يُطالعون نصّاً من «هاري بوتر» واستطعنا تحديد مواقعَ دماغيّةٍ عدّةٍ يقوم كلٌّ منها بوظيفةٍ مختلفةٍ أثناء المطالعة».
وتُعلّق وهبه: «إنّ هذا الفهم للدّماغ يُساعد عند اكتمال الخارطة في تطبيقه على اضطرابات عسر القراءة لمعرفة مشكلة كلّ فردٍ على حدة. فقد تكون متعلّقةً بمنطقة الرّؤية، أو التّركيب النّحويّ للجملة أو سواهما. وهذا ينطبق على التّلاميذ كما على مَن يُعاني صعوبة الكلام جرّاء صدمةٍ نفسيّةٍ أو حادثٍ أو جلطةٍ دماغيّة».

صراع الإنسان والآلة

وعن تنافس الكمبيوتر والإنسان في شتّى المجالات، من الحساب ولعبة الشّطرنج إلى البحث والرّبط والتّحليل، تقول الباحثة اللّبنانيّة: «صحيحٌ أنّ الكمبيوتر والآلة قد تفوّقا على البشر في بعض النّواحي الحسابيّة وتخزين المعلومات والبحث عنها وتشخيص بعض الحالات، حتّى إنّ عدداً من الوظائف الإداريّة لم يعد موجوداً، وحتّى اعتماد بعضنا على الكمبيوتر جعله يخسر مهاراتٍ معيّنة، إلاّ أنّ الدّماغ البشريّ لا يزال متفوّقاً بما لا يُقاس على الآلة في العديد من المجالات كفهم اللّغة، والصّورة، والتّرجمة والسّمع وطبعاً الشّمّ واللّمس. وأيضاً في التّحليل والاستنتاج والابتكار والإبداع».

كمبيوتر يُقلّد الدّماغ

تُتابع: «كلّ الوظائف والوعي البشري لا يُدرك الإنسان مدى تعقيده ودقّته إلاّ عندما يُحاول صناعة آلات كمبيوتر تقوم بالمهام نفسها. إنّ صناعة كمبيوتر يقوم مقام الدّماغ البشريّ مسألةٌ بالغة الصّعوبة والتّعقيد. وكلّ الشّركات الكبرى مثل «غوغل» و«آي.بي.أم.» تمتلك مشاريعَ عملاقةً لإيجاد حلولٍ بسيطةٍ في تقليد عمل الدّماغ في بعض النّواحي البسيطة كفهم ما ومن في صورةٍ من الصّور. فتخيّل مبلغ الصّعوبة في «تقليد» الآلة مختلف وظائفنا الدّماغيّة».وتشير وهبه إلى الرّجال الآليّين الذين يُتوقّع أن يُساعدوا متقدّمي الأعمار والعاجزين في بيوتهم، قائلةً إنّ جعل الرّجل الآليّ يُمسك كوباً من الشّاي فقط يستلزم عمليّاتٍ حسابيّةً بالغة التّعقيد. ولكنّ الأبحاث تتقدّم.

ليس صحيحاً أنّ العباقرة يستعملون فقط 10% من أدمغتهم

«هاري بوتر» والعلم

تقول ليلى وهبه التي استعانت مع باحثين في جامعة بأسلوب التّصوير بالرّنين أثناء قراءة ثمانية أشخاصٍ فصلاً من رواية «هاري بوتر وحجر السّاحر»، أنّهم توصّلوا إلى نموذجٍ حسابيٍّ أوّليٍّ للقراءة يُحدّد أيّ أجزاء الدّماغ مسؤولة عن تحليل الجمل وتحديد معنى الكلمات وفهم العلاقات بين الأحرف. وتبيّن أنّ حركة الشّخصيّات الرّوائيّة، عندما تحلّق المكانس السّحريّة مثلاً، تنشّط المنطقة الدّماغيّة التي نستخدمها لإدراك حركة الآخرين. وكذلك يرتبط فهمنا لشخصيّات الرّواية بتنشيط المنطقة الدّماغيّة المُستخدمة لفهم نوايا الآخرين.

الطّاقة الدّماغيّة للعباقرة

ترفض وهبه المتداول من أقوالٍ عن أنّ العباقرة يستعملون عشرةً في المئة من أدمغتهم. «فلوا أنّنا لا نستعمل إلاّ هذا المقدار لما بقيَ الإنسان وتطوّر. فكلُّ واحدٍ إنّما يستعمل طاقةً هائلةً من دماغه. فالنّظر أو السّمع وحدهما يستهلكان جزءاً كبيراً من طاقته، فكيف بسائر الأنشطة؟!». وتضيف ضاحكة: «فليتشجّع النّاس ويعرفوا أنّ بإمكانهم تشغيل أدمغتهم بأقصى طاقةٍ للعمل والتّفكير والابتكار».

خطأٌ وأسرار

ومن الأخطاء الشّائعة التي تنتقدها وهبه، مقولة إنّ المبدعين في المجالات الفنّيّة إنّما تنمو أو تنشط لديهم الجهة اليمنى من الدّماغ. وهذا غير ثابتٍ وعمل الدّماغ أكثر تعقيداً.

 وهل لا يزال الدّماغ أبو هول الأسرار؟

أمامنا الكثير الكثير ولا نعرف إلاّ القليل عنه وما نعرفه يتغيّر.

وهل ترى الباحثة الرّقيقة الحبّ عمليّاتٍ كيميائيّةً فقط؟

نعم. كلّ الأحاسيس والأفكار عمليّاتٌ كيميائيّةٌ وكهربائيّة، بما فيها فكرة الوعي بالذّات عِلماً أنّنا لم نعثر بعد على منطقةٍ خاصّةٍ بالوعي في الدّماغ.
وتُضيف بابتسامةٍ: «لكن ما سبق لا يعني أنّه ليس علينا أن نُحبّ».

مقالات قد تثير اهتمامك