المسرح كذبةٌ تقول الحقيقة

المسرح كذبةٌ تقول الحقيقة

تُبدّل مروى حمادة قبّعاتها ككاتبةٍ ومنتجةٍ وممثّلة، كما تقول، بحثاً عن مسرحٍ قريبٍ من الجمهور يحفظ لها مكانها كممثّلةٍ ويحرّرها من سطوة المنتجين وأمزجتهم. في «عا طريق الجنّة» تُغيّب الرّجل للمرّة الثّانية عن مسرحيّةٍ تكتبها وتمثّلها، فلماذا؟ وكيف تنظر حفيدة الرّئيس صبري حمادة، أحد رجالات استقلال لبنان، إلى الطّائفيّة التي كانت خلفيّة عملها الأخير؟

من قراءة الشّعر على الخشبة إلى التّمثيل فالإنتاج المسرحيّ. كيف حصل التّحوّل؟

بدأتُ قارئة شعرٍ مع روجيه عسّاف في الثّامنة عشرة، وفي مسرحيّات بيتي توتل وجو قديح، بالتّوازي مع دراسة المسرح في لبنان والسّينما في «نيويورك فيلم أكاديمي» و ESRA في باريس. تساءلت أثناء ذلك عن معنى كوني ممثّلةً وفي لبنان، لكنّي ثابرت مع ميلٍ لاختبار مهنةٍ أكثر أماناً واستقراراً. فلبّيت دعوةً للعمل الصّحافي التّلفزيونيّ في المغرب. هناك طوال عامٍ ونصف العام تابعت السّينما والمسرح المغربيَّين ومثّلت دور اللّبنانيّة في الدّراما والسّينما المحلّيّتَين حتّى في أفلامٍ أجنبيّة.

وما هي أبرز تلك الأعمال؟

«The Bible» المسلسل التّاريخيّ الذي تعرضه NBC الإنكليزيّة عن حياة يسوع بعد الموت وتأثيره. دوري الأمّ التي شفى القديس ابنتها المريضة.

لكنّك تركت الصّحافة وعدتِ إلى بيروت؟

صحيحٌ إذْ تأكّد لي ارتباطي بالمسرح والسّينما على الرّغم من صعوباتهما في بلادٍ كبلادنا لا توفّر دخلاً للعاملين فيهما. ترافق ذلك يومها مع سنّي التّاسعة والعشرين فقلت إنّ عملي كممثّلةٍ إنّما يربطني بالمخرجين والكتّاب ونظراتهم إليّ حتّى أمزجتهم. فلمَ لا أصنع مشاريعي الخاصّة كممثّلة ومنتجة؟

جائزةٌ وفيلم

وماذا قدّمتِ؟

منذ العام 2011 بدأت الإنتاج مع الكتابة والإخراج! «مَن قتل ماريلين» ثمّ «زنود السّت» واليوم مسرحيّتنا «عا طريق الجنّة». ونلت للتّوّ جائزة أفضل سيناريو لفيلمٍ قصيرٍ من «سينيفيليا»، شركة الإنتاج الأميركيّة. وكنت أيضاً إحدى ممثّلات الفيلم الذي حظيَ بمئة ألف مشاهدٍ في الصّالات «يلاّ عقبالكن».

كتبتِ وتمثّلين «عا طريق الجنّة» (الكتابة بالمشاركة مع اختصاصيّة علم النّفس ساندرا خوّام) كأنّما انطلاقاً من طغيان الأديان السّائد في بلادنا والعالم؟

صحيح. إنّها حكاية حادث سيرٍ تتعرّض له ثلاث صديقات (أنا وتانيا عاصي ولارا رين) فيُشاهدنَ أرواحهنّ تعوم فوق أجسامهنّ وصولاً إلى السّماء أمام باب الجنة المُقفل والجنّة لا تتّسع لأكثر من روحٍ واحدة. هنا يبدأ التّفاوض مع حرّاس الأبواب أخذاً بالحسبان ديانة كلّ واحدةٍ من الصّديقات الثّلاث.

لكن وراء الحكاية ما يجري في الواقع اللّبنانيّ والمنطقة؟

في لحظةٍ من تاريخنا يشعر فيها السّنيّ بذاته أكثر سنّيةً من ذي قبل، والشّيعيّ أكثر شيعيّةً، والمسيحيّ أكثر مسيحيّةً، والدّرزيّ أكثر درزيّةً، طغت الهويّات الدّينيّة على البُعد الوطنيّ للنّاس وصارت الأديان بالمعنى الغرائزيّ والطّائفيّ، وليس الرّوحيّ هو ما يحرّكهم حتّى على أبواب الجنّة.

كذبٌ وحقيقة

وتطرحون ذلك بأسلوبٍ كوميديّ...؟

بالضّحك والفكاهة نمرّر نقدنا الاجتماعيّ للهويّة التي راح يطغي عليها البُعد الدّينيّ بل الطّائفيّ. عملُنا مرآةٌ تعكس الواقع بواسطة «كذبة» المسرح التي تقول الحقيقة.

نعم للرّوحانيّة لا للتّمسّك بالهويّات الطّائفيّة

أيّ نوع من الكوميديا اعتمدتم؟

هناك الضّحك على الذات وهناك أيضاً الفكاهة و«السّاتير». إنّها إذا شئت كوميديا شعريّةٌ بمعنًى من المعاني. تَخَيَّل فكرة أنّ حرّاس الجنّة إنّما يسمحون للصّديقات الثّلاث بالدّخول شرط تقديم مسرحيّةٍ عن آدم وحوّاء والتّفاحة. هنا نعالج علاقة سقوطهما بالحرمان. فالتّفاحة تمثّل السّقوط واكتشافهما لبشريّتهما في مقابل قوانين السّماء. إنّه الصّراع بين النّزعات المادّيّة والرّوحانيّات. ونميّز طبعاً بين الرّوحانيّة والتّمسّك بالهويّة الدّينيّة الطّائفيّة.

قبّعاتٌ ثلاث

لماذا اخترتِ كمنتجةٍ المخرج شادي الزّين لتنفيذ العمل؟

إنّه رفيقي منذ دراستي المسرح في الجامعة اليسوعيّة ثمّ مخرجٌ لـ «زنود الستّ» 2014 على خشبة مسرح «مونو». يملك شادي رؤيةً للنّصوص تجعله يمنحها عالماً خاصّاً. أسلوبه في الإخراج بعيدٌ عن الواقعيّة التي في نصوصي، بحيث يمنحها بُعداً فنّياً مندرجاً في سياقٍ إبداعيٍّ يجعلها مقبولةً من عامّة النّاس.

إذن لا نرى لديكِ طموحاً للمسرح الاختباريّ؟

مررتُ كممثّلةٍ بمسرحيّاتٍ اختباريّة، ولكن ما أبحث عنه اليوم هو طبخةٌ قريبةٌ إلى النّاس. ولا تنسَ أنّني أيضاً منتجة هذه الأعمال الأخيرة وللمنتج أرقامه وحساباته بعيداً عن مزاج المُبدع والممثّل. هكذا أراني أبدّل قبّعاتي بحسب المراحل في كلّ مسرحيّة. فهناك قبّعتي ككاتبة، ثمّ قبّعة المنتجة وأخيراً قبّعة الممثّلة. وقد تتراكم تلك القبّعات الثّلاث بعضها فوق بعضٍ أثناء مدّة العرض. ويا لها من ثقلٍ أحمله.

هل من نمطٍ من المسرح في العالم تأثّرتِ به وأحببتِ تقليده؟

في صغري لم أكن أحبّ المسرح. كان واقعيّةً فقط يتلوها الممثّل كإنشاء. إلى أنْ عرفتُ مسرح روجيه عسّاف وبيتي توتل، فشعرت بسحر المسرح واكتشفت احتمالات تقديم النّصّ الواحد بطرقٍ عدّة. إنّه الخيال أو كما يقول الفرنسيّون إنّه «الفنّ الحيّ». فالمُشاهد يلتقي الممثّل وجهاً لوجهٍ وهذا يتطلّب بَعْدَ الخيال صدق الأداء. وهو ما أحاوله أو ألاحقه حين أزور كلّ عامٍ الخشبات الفرنسيّة ركضاً وراء أعمال المخرجين الكبار.

هل من تركيبةٍ معيّنةٍ تعملون عليها أثناء إعداد السّيناريو؟

نعم، مع ساندرا خوّام فكّرنا في البنية المسرحيّة وفصولها: ففي الفصل الأوّل عرضنا الحكاية وكان المناخ دراماتيكيّاً. ولهذا جعلنا الكوميديا ظاهرةً في الفصل الثّاني. وعمدنا في الثّالث إلى بثّ مناخٍ من التّمرّد يؤكّد الفكرة من وراء العمل.

معلنون في الدّراما!

كيف تتجرّأين على إنتاج عملٍ مسرحيٍّ في أوضاعٍ اقتصاديّةٍ صعبة؟

من المُلاحظ إقبال عددٍ من الشّركات على دعم المسرح والسّينما اليوم. حتّى إنّي أذكر أسماء رُعاة مسرحيّتنا في سياق النّصّ من مصرفٍ إلى كورن فليكس فعلامةٍ للفودكا إلى مصمّمة ملابسنا غريس ريحان ومصمّم الدّيكور هنري دقّاق.

ألا يؤثّر هذا في الكتابة الدّراميّة؟

لا لأنّي أمرّره بذكاء، بل إنّه قد يخدم لحظاتٍ معيّنةً في النّص.

أنا والنّقّاد

المسرح أذواقٌ ولن أرضيَ الجميع

كيف تعامل نقّاد الصّفحات الثّقافيّة مع مسرحيّاتك؟

نقد مسرحيّة «من قتل ماريلين» ضايقني جدّاً. طبعاً النّقّاد أحرارٌ في انتقاد كلّ شيءٍ من النّصّ إلى التّمثيل والإخراج والملابس. انزعجت ثمّ قرّرت أن أتعالى. ولكن بعد أن أقرأ وأناقش مع نفسي: «هل ما كُتب صحيح؟» أعود إلى الخشبة أو إلى عملٍ جديدٍ متناسيةً ما قرأت أو سمعت سواءٌ السّلبيّ منه أو الإيجابيّ. فالمسرح أذواقٌ ولن أرضيَ الجميع.

هل ترين أنّ النّقّاد اللّبنانيّين ينحازون إلى نوعٍ معيّنٍ من المسرح؟

ربّما، لكنّ الواضح أنّ اللّبنانيّين اليوم ما عادوا يقصدون السّينما أو المسرح بحثاً عن موجةٍ أو منتجٍ أجنبيَّين، وأنّهم يريدون فنّاً «صُنع في لبنان» وبموضوعاتٍ حسّاسةٍ تمسّهم. «يلاّ عاقبالكن» طرح انطلاقاً من الزّواج المسألة الطّائفيّة لذلك عرف إقبالاً كثيفاً، نحو مئة ألف مشاهد.

ما هي المسرحيّات التي شاهدتها ولفتت نظرك أخيراً؟

«فينوس» للمخرج جاك مارون. و«ألاقي زيّك فين يا علي» أيضاً حيث كانت الكاتبة والممثّلة رائدة طه هائلة.

غياب الرّجل

مسرحيتنا عن المرأة الشرقيّة وعلاقتها بالخطيئة والهوام العاطفي

أخيراً لماذا يُغيّب آدم (إلاّ من حوار الصّديقات الثّلاث) عن مسرحيّتك الجديدة «عا طريق الجنّة»؟

إنّها مسرحيّتي الثّانية التي يغيب عنها الرّجل وكلتاهما من ثلاث نساء (تضحك). ولكنّها الأخيرة ولن أستثني الرّجل من بعدها. أردتُ التّركيز على المرأة وعلاقتها بالخطيئة والخيال. المرأة، لاسيّما الشّرقية، في علاقتها مع الفانتاسم والخطيئة. الحلال والحرام. وإدخال رجلٍ كان سيخلق قصّة حبّ. لكنّي أردت عزل المرأة لأدخل في خيالها وواقعها وحقيقتها.

المجتمعات والفكر الذّكوريّ الشّرقيّ حمّلوا المرأة خطايا أكثر من الرّجل

جدّي صبري حمادة طَرَحَ إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة منذ العام 1946

المجتمعات والفكر الذّكوريّ الشّرقيّ حمّلوا المرأة ذنوباً وخطايا أكثر من الرّجل. طبعاً مجتمعاتنا تتحرّك على وقع الفكر الدّينيّ. فبينما توصّل الغربيّون إلى فصل الدّين عن الدّولة، وإلى لاهوتٍ حديثٍ يُعيد النّظر في موقع المرأة، لا نزال نرزح تحت مفاهيم القرون الوسطى. أنا ابنة عائلةٍ بعيدةٍ عن الطّائفيّة، جدّي صبري حمادة أحد رجالات استقلال العام 1943 كان ممّن طالبوا بإلغاء الطّائفيّة السّياسيّة بعد ثلاثة أعوام، أيْ العام 1946. لكنّ أقليةً من النّواب صوّتت معه ليسقط المشروع.

مسرح الوجدان البلديّ

تحاول «عاطريق الجنة» البحث عن منطقة وسطى بين نصٍّ مسرحيٍّ ابن بيئته بهمومها وقضاياها الموجعة، وإخراجٍ يُساير البساطة - وشي من التبسيط أحياناً - لإمتاع المتفرّج/ ة ليس بالكوميديا واللّغة اليوميّة الحيويّة وحسب، بل أيضاً ببعض "الأسلبة" الفنيّة على مستويات النصّ والأداء والإخراج. وإذا كان المتلقّي هو الهمّ الأول لكاتبتَي العمل فهما قلّما تقعان في المجانيّة مذّ اختارتا الطائفيّة وانشغال الناس بالدين وأشكالٍ من التديّن تدفع مجتمعاتٍ بأكملها نحو الحرب والفتن. عملٌ مسرحيٌّ لا يتخلّى عن وجدان صانعيه غير مهتمٍّ بصِيَغ من المسرح الاختباري طالما أوجدت مسافة مع الجمهور المحليّ.

مقالات قد تثير اهتمامك