النّبيذ... أيُّ نوعٍ يُحفظ سنوات؟ وكيف؟

لا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيراً كي يعرف كيف يتلذّذ بالنّبيذ، إنْ باختياره النّوع الذي يناسب ذوقه أو المناسبة التي يشرب نخبها. لكن ليس كافياً أن يعرف الإنسان كيف يختار النّبيذ إذا كان لا يعرف كيف يحفظه مدّة أشهرٍ أو حتّى سنوات، إذْ سيفقد النّبيذ نكهته ورائحته أو قد يتعرّض للفساد أو التّأكسد.

اعرف نبيذك أوّلاً

عندما يشتري المرء زجاجة نبيذٍ عليه أن يعرف أيّ نوعٍ من النّبيذ يُمكن تخزينه ومدّة تخزينه. إنّ النّبيذ الأحمر المخزّن سابقاً في براميل السّنديان يحتاج من سنتَين إلى 10 سنواتٍ كي ينضج ولو أنّ الأمر يختلف بحسب أنواع العنب أو الخليط لاسيّما أنّ بعضه لا يجوز حفظه أكثر من ستّ سنواتٍ كالعنب الشّيرازيّ مثلاً. أمّا الأنواع الأخرى التي لا تخمّر في براميلَ خشبيّةٍ فإنّ تخزينها لا يفيد بشيءٍ بل يُمكن أن تخسر من نكهتها إذا كانت نسبة الأسيد مرتفعةً فيها. الأمر ذاته ينسحب على النّبيذ الأبيض الذي يجب استهلاكه أثناء سنتَين إلاّ الشّاردونيه الذي يمكن تعتيقه.

لا تسمح باختراق الضّوء

في جميع الأحوال، يجب لحفظ النّبيذ أن يُبعد عن الضّوء سواءٌ كان مصدره أشعّة الشّمس الطّبيعيّة أو المصابيح الكهربائيّة والفلوريسون، لأنّه على الرّغم من أنّ زجاجات النّبيذ الأحمر تأتي داكنة اللّون إلاّ أنّ هذا لا يمنع أن تخترقها الأشعّة وتأثّر في نوعيّة النّبيذ، لذلك يجب حفظها في مكانٍ مظلمٍ كلّيّاً، وإذا تعذّر ذلك، فيجب تغليفها بشكلٍ يقطع النّور عنها. وبالتّأكيد إنّ البرّادات المخصّصة لحفظ النّبيذ تأتي مجهّزةً بأنواعٍ خاصّةٍ من الإنارة التي لا تبثّ الأشعّة ما تحت البنفسجيّة فتكون آمنة.

امنع الهواء من التّسرّب

ليس النّور وحده ما يُفسد النّبيذ لأنّ للهواء دوراً كبيراً أيضاً. لكن هل يُمكن أن يتسرّب الهواء إلى داخل الزّجاجة وهي مُقفلةٌ تماماً؟ 

نعم، وذلك من خلال السّدّة. فعندما تُدخل السّدّة (الفلّين) إلى الزّجاجة لإقفالها تُضغط ليفرغ الهواء منها ويتقلّص حجمها في وقتٍ يقوم النّبيذ السّائل بإقفال المسام الموجودة ومنعها من تسريب الهواء. لكن إذا جفّت تلك السّدّة سيعود الهواء ليدخل تلقائيّاً. لذلك يجب أن توضع زجاجات النّبيذ أفقيّاً، فيبقى النّبيذ متّصلاً بالسّدّة فلا تجفّ أبداً، علماً أنّ عمليّة دخول الهواء وخروجه من زجاجات النّبيذ لا يُمكن قطعه كلّيّاً وذلك بسبب طبيعة الفلّين وتركيبته. لكنّ ذلك الهواء يبقى بمعدّلاتٍ لا تؤثّر في نوعيّة النّبيذ إذا ما حفظ بالطّريقة السّليمة. 

لكنْ هل تُفسد زجاجات النبيذ إذا كانت مصفوفةٌ عموديّاً؟ ليس بالضّرورة لأنّ السّدّة تحتاج إلى أشهرٍ كي تجفّ، فيمكنكم شراؤها وحفظها بالطّريقة السّليمة على ألاّ تكون معروضةً منذ مدّةٍ طويلة.

اعمل على استقرار الحرارة

إضافةً إلى ذلك تُعدّ الحرارة من العوامل الأساسيّة في حفظ النّبيذ لاسيّما النّبيذ الأحمر الذي يُعدّ شديد الحساسيّة. فكلّما ارتفعت حرارة النّبيذ زادت عمليّة الأكسدة. لذلك، إنّ الحرارة الأسلم لحفظ النّبيذ هي 12 درجةً مئويّة، لكنّه لن يتأثّر كثيراً إذا لم تتجاوز الحدّ المسموح به وهو 24 درجةً مئويّة، لأنّه كلّما ارتفعت الحرارة صار الضّرر أكبر، ما يمكن أن يسبّب أيضاً تسرّب الهواء بتمدّد السّدّة وتوسّع الفراغات فيها. الأمر ذاته يحصل في حال حُفظ النّبيذ بدرجاتٍ متدنّيةٍ أكثر ولو أنّ نسبة الضّرر تبقى أقلّ. لكن يجب الحذر دائماً من التّبدّل في الحرارة ولو بين المعدّلات المذكورة سابقاً (12 و24 درجة) لأنّ لاختلاف الحرارة المستمرّ وعدم استقرارها أثراً سيّئاً أيضاً، لذلك يجب تخفيض الدّرجات تدريجيّاً وعدم نقلها من 24 إلى 12 درجةً دفعةً واحدة. أمّا بالنّسبة إلى النّبيذ الأبيض فيُحفظ بدرجاتٍ أقلّ ويُمكن حفظه في البرّاد على ألاّ يتعرّض للضّوء أو للرّائحة المُزعجة.

اختر المكان المناسب

يجب ألاّ ننسى مطلقاً أنّ النّبيذ قابلٌ للتّنفّس، ولو بدرجاتٍ قليلةٍ جدّاً. لذلك يجب الانتباه للمكان الذي يوضع فيه، فلا يكون قرب كلّ ما يُمكن أن يُفسد طعمه أو رائحته، أيْ قرب العطور أو الصّابون مثلاً، وبالتّأكيد لا يوضع قرب البصل أو الثّوم أو الكزبراء، لأنّ النّكهة بالتّأكيد ستتأثّر، وكثيرة هي الأحيان التي يُكتشف أنّ للنّبيذ طعماً غريباً ولا يُعرف السّبب. 

خفّف من نقله

إنّ النّبيذ شديد الحساسيّة للحركة، فيجب عدم نقله كثيراً أو خضّه بتواصل، لأنّ ذلك يؤدّي إلى تكسّر بعض جزيئاته ويؤثّر سلباً في عمليّة التّخمير الطّبيعيّ. لذلك من الأفضل نقله مرّةً واحدةً إلى مكان التّخزين ثمّ مرّةً ثانيةً عند التّقديم، لكنْ في حال اضطرّ أحدهم أن ينقله مرّاتٍ أكثر فهذا لا يعني أنّه سيفسد، لكنّ الالتزام بهذه القاعدة تسمح للنّبيذ بأن يكون بأفضل حالته ونكهاته.

احذر من الرّطوبة

تُعدّ الرّطوبة أيضاً من الأمور التي تؤثّر كثيراً في النّبيذ، لكن لحسن الحظّ إنّ الرّطوبة في لبنان مثاليّةٌ لحفظه. فمن المعروف أنّ تدنّي نسبة الرّطوبة يُساعد في تسريب الهواء، لذلك يجب أن تحفظ الزّجاجة بنسبة رطوبةٍ تقارب 70 في المئة. وإنْ زادت عن ذلك فإنّ الخطر الأساسيّ يُصيب الغلاف الخارجيّ فقط ولا يؤثّر في النّبيذ نفسه.

لِمَ لا تُغيّر السّدّة؟

تُعدّ سدّات خشب الفلّين المسبّب الأساسيّ للكثير من مشكلات حفظ النّبيذ، لذا بدأ الكثير من المصانع استبدال الفلّين التّقليديّ بآخرَ صناعيٍّ هو مزيجٌ من المطّاط والموادّ الأخرى. غير أنّ مخاوفَ كثيرةً طُرحت حول مدى مطابقة تلك الموادّ البديلة للمعايير الصّحّيّة لاسيّما أنّها تحتوي على مركّباتٍ كيميائيّة، حتّى إنّ بعض أهمّ الدّول المصنّعة للنّبيذ منعت استخدام تلك الموادّ لاسيّما أنّها، على عكس الفلّين، غير قابلةٍ للتّدوير. لكنّ ذلك لا يعني أنّ النّبيذ الذي تستخدم فيه السّدّات الصّناعيّة هو نبيذٌ سيّئٌ فمضارّ تلك السّدّات لم تُحسم بعد، ويُمكن لهذا النّبيذ أنْ يُحفظ حفظاً أقلّ صرامةً من حيث الرّطوبة والحرارة.

احفظ النّبيذ بعد فتحه

إنّ كيفيّة حفظ النّبيذ بعد أن يُفتح عمليّةٌ مهمّةٌ جدّاً. أوّلاً علينا أن نعرف أنّه عند فتح النّبيذ يجب أن يوضع في الحرارة المناسبة للتّقديم قبل الفتح، لأنّ ذلك يمنحه تفاعلاً جيّداً مع الهواء ويركّز نكهته، أمّا بعد الفتح فثمّة الكثير من الآلات التي تساعد في سحب الهواء ومراقبة الرّطوبة والحرارة، لكن بالتّأكيد لن يقوم أحدٌ بشرائها إن لم تكن لديه مجموعةٌ كبيرةٌ من النّبيذ الباهظ الثّمن. لذلك ثمّة إرشاداتٌ مفيدةٌ تسمح بحفظ النّبيذ بضعة أيّامٍ بعد فتحه:

للنّبيذ الأبيض المكان المثاليّ وهو البرّاد. لكن يجب أن يُقفل بإحكام، وألاّ تكون كميّة الهواء فيه كبيرة، أيْ إنْ قمتم باستهلاك أكثر من نصف الزّجاجة من المفضّل أن يُنقل الباقي إلى زجاجةٍ أصغر. ويُمكن للنّبيذ الأبيض أن يبقى خمسة أيّامٍ كحدٍّ أقصى مُحافظاً على جودته.

النّبيذ الأحمر يجب أن يُحفظ في مكانٍ مظلمٍ تماماً وغير رطب، ويُمكن أن يبقى نحو 4 أيّامٍ على الأكثر، إلاّ إذا كان نبيذاً جديداً فيُمكنه أن يبقى أسبوعاً كاملاً.

النّبيذ لا يُصبح خلاًّ!

ماذا لو لم يُحفظ النّبيذ بطريقةٍ صحيحة؟! هل يتحوّل إلى خلٍّ كما هو شائع؟ وهل يمكن استخدامه في الطّهو؟

إنّ تعرّض النّبيذ للهواء أو للضّوء والحرارة يزيد من أكسدة النّبيذ ويكسّر أجزاءه لكن لا يتحوّل إلى خلّ إلاّ إذا كان النّبيذ جديداً. لذلك يُمكنكم في هذه الحالة استخدامه في الطّهو، ولو أنّ هناك أنواعاً محدّدةً من النّبيذ مخصّصةً للطّهو، وهي بخسة الثّمن إجمالاً وتزيد فيها نسبتا الملوحة والأكسدة. لكنّ النّبيذ المُعتّق لا يتحوّل إلى خلٍّ بل تبرز فيه كتلٌ سميكةٌ ويفسد لذا يجب التّخلّص منه فوراً، عِلماً أنّه يجب التّمييز بين هذه الكتل وبقايا العنب الموجودة أحياناً في بعض أنواع النّبيذ البيتيّ أو الذي يحضّر بطريقةٍ بدائيّةٍ (وهذا لا يعني أنّه أقلّ جودة) حيث يمكن وجود بعض بقايا القشور داخله.

مقالات قد تثير اهتمامك