الشّريفان عُمر ونور في ذمّة السّينما

حتّى النّفس الأخير

لم يكن بوسامة حسين فهمي أو عمر الشّريف، فاجتهد ليكون الأرفع موهبةً ولتسبقَ صورته فنّاناً صورتَه نجماً أوّل. رحل نور الشّريف تاركاً أدواراً لا ينساها الجمهور وهواة السّينما. في «الحاجز» و«السّراب» و«زوجتي والكلب» و«العصفور» برز الشّريف آواخر السّتينيّات ممثّلاً طليعيّاً ضمن مشروعٍ سينمائيٍّ حديثٍ. ولمّا أجبره عقد السّبعينيّات على التّكيّف مع الميلودراما الفاقعة والكوميديا السّهلة، عَمَدَ إلى إنتاج أفلامِ مخرجين مميّزين وبطولتها كـ «ضربة شمس» لمحمّد خان. وغدا مع أحمد زكي (الذي كان عمر الشّريف يقول عنه: إنّه «أكثر موهبةً» منّي) أبرز أركان الواقعيّة الجديدة في السّينما المصريّة لاسيّما بعد بطولته «سوّاق الأوتوبيس» وما تلاه من أفلام عاطف الطّيب. أما فيلمهما «ناجي العلي» فأتى مخيّباً غارقاً في السّياسة.

عاد النّجم المصريّ للعمل مع يوسف شاهين في «حدوتة مصريّة» و«المصير» في وقتٍ غرق في عشرات الأدوار التّلفزيونيّة النّمطيّة ولو تميّز في أداء بعضها كـ «الحاج متولّي» وغيره. نور الشّريف أضاء الشّاشتَين بموهبةٍ وشغفٍ بالمهنة ثابر عليهما حتّى النّفس الأخير.

الميت البوهيميّ

لم يشيّع عمر الشّريف سوى بضعة عشر شخصاً وعدد أصابع يديه من الفنّانين في القاهرة. كأنَّ ميتاً بوهيميّاً كعُمَر الشّريف (وكلُّ ميتٍ بوهيميٌّ) يُبالي بمن غاب وبمَن حضَر. المصريّ الذي خرج على الأيديولوجيا النّاصريّة ونُزعت عنه الجنسيّة لأنّه قبّل الأميركيّة اليهوديّة برباره سترايسند في أحد الأفلام. المقامر الذي خسر ماله وممتلكاته وقال إنّه غيرُ نادم. اللاّمبالي الذي لم يكذّب عندما سُئل عن مثليّة أحد منتجي أفلامه المُبكرة وقال مبتسماً إنّه لبّى دعوته إلى حفلٍ في قصره ولم يكن فيه سواهما. الدّونجوان الذي غادر الزّواج باكراً من فاتن حمامة ليَفْتن نجمات السّينما الأميركيّة. ميشال شلهوب غيّر دينه واسمه من أجل الحبّ والسّينما ودعا لاحقاً إلى وحدة الأديان وتحكيم الضّمير الشّخصيّ هامساً لـ «الغارديان» إيمانه «بكلّ شيءٍ وبلاشيء». العربيّ الوحيد الذي حاز البطولات الهوليووديّة كنجمٍ أوّل وانتهى سائق جَملٍ في فيلمٍ مع أنطونيو بانديراس. العائد إلى جذورٍ أحرقها باكراً ليُصاب بألزهايمر ويموت وحيداً في مستشفى نُقلَ إليه من مأوى مسنّين. اللاّمنتمي الذي قفزَ من مجاهل الحياة ومفاجآتها إلى «معلومٍ» لعلّه ليس ما «تَعْلمه» أكثريّة المصريّين عن الموت. أَسألُه السّاعةَ ماذا تودّ معك في مثواك، لو صحّ أنّ للرّحلة تتمّة، أسمعه يختار ورق اللّعب. كأنّي به لا يعبأ بمتعةٍ سواه أو مجهولٍ سوى حظّه في «دقّ بريدج».

مقالات قد تثير اهتمامك