منصور الهبر: الفطرة النّادرة

منصور الهبر: الفطرة النّادرة

متبرّمون بوجودهم، هذا أقلّ ما يوصف به أشخاص لوحات منصور الهبر في معرضه الأخير. أشخاصٌ مقطَعو الأوصال حتّى إن لم تنفصل بعضها عن بعضٍ في كلٍّ منهم. وعندها سيكون المقطَّع واللاّمتصل هو فضاء وجودهم معاً في اللّوحة. أشخاصٌ كأنّهم من كرتون. رسومٌ متحرّكةٌ بشريّةٌ في حالاتٍ على وشك التّبدّل داخل الحياة أو بينها وبين الغياب/ الحياة وربّما أبعد. إذا حافظت الألوان للشّخصيّات على شيءٍ من الخفّة والسّكون وحتّى الحرارة فإنّ بياض الخلفيّة الفاقع حيث تجلس، والأزرق المرمَّد في لوحاتٍ أخرى، أشبه ببياض «الكوما» وحتّى غرفة ثلج الموتى. لكنَّ الحياة تدبّ في أشخاصٍ يلعبون ربّما لعبة الورق أو يتسامرون ولكنّ ملامحهم شبه غائبةٍ ولا تُنذر بهدفٍ أو سلوى. وقد يرمي الرّسّام ناسه في اللّوحة بلا حساب النِّسب والقياس بل يوزّعها أسفل وأعلى كأنّهم سُبحةٌ فُرطت تاركاً لصدف الجاذبيّة تحديد مواقعها. والجاذبيّة هنا مخيّلةٌ منفلتةٌ من أسر سطح اللّوحة وأبعادها حيث يلعب الإنسان «الصّغير» والإنسان «المألوم» والإنسان «الطّفل». ولنقل إنّه الفنّان مَن يلهو عاكساً مِحنة الجسد البشريّ الذي يُقطَّع بالرّصاص والسّكين وشظايا البراميل فإذا هو في اللّوحة تلك الخفّة الطّفلة الملتاعة تُخفي أنيناً بالتّلاشي وتستعيض عن الصّراخ بأوضاع أعضائها المرميّة في المكان كيفما اتّفق. منصور الهبر يواصل اشتغاله بمزاجٍ شخصيٍّ إبداعيٍّ مُفعَمٍ موهبةً وإحساساً. فطرةٌ نادرةٌ لم تبخّرها براعةُ الرّسم والتّأليف.

مقالات قد تثير اهتمامك