«معرض بيروت للفنّ» في دورته السّادسة

الرقميّ للربط بين الافتراض والواقع

تُعدّ منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب أسيا وجنوب شرقها، القارّة السّادسة للفنّ المعاصر، وتُعدّ بيروت قلبها النّابض. فبيروت على الرّغم من كلّ الصّراعات السّياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة، لا تزال قادرةً على خلق حركةٍ إبداعيّةٍ متجدّدةٍ تتمثّل بالطّاقة على إنتاج الفنّ المعاصر، ليكون لبنان مرجعاً دوليّاً للإبداع الفنّيّ في المنطقة.

ولأنّ بيروت كانت ولا تزال مدينة التّناقضات والانصهار في قلب المَشاهد الفنّيّة من العالم، استطاعت أن تكون نقطة جذبٍ للإبداعات الفنّيّة. فيتجدّد الموعد السّنويّ مع «معرض بيروت للفنّ» (Beirut Art Fair) في دورته السّادسة، بحيث سيضمّ الأخير في أيلول/ سبتمبر الحاليّ مجموعةً متميّزةً من المعارض الفنّيّة الحديثة التي تشهد على تنوّع الهويّات الثّقافيّة في المنطقة. يتولّى تنسيق هذا البرنامج الثّقافيّ المدير الفنّيّ للمعرض باسكال أوديل، وهو خبيرٌ في الغرفة الوطنيّة للخبراء المتخصّصين في فرنسا وناقدٌ ومؤرّخٌ فنّيّ. «الحسناء» تحدّثت إليه في مقابلةٍ حصريّة عن الجديد الذي سيقدّمه المعرض هذا العام بعيداً عن الإنتاج النّمطيّ للمعارض، وعن التّحدّيات التي فرضها وضع البلد، وعن المستقبل الذي يرسمونه لـ «معرض بيروت للفنّ»...

جزء من التطوّر العالمي

يسعى القيّمون على «معرض بيروت للفنّ» إلى جعله جزءاً من التّطوّر العالميّ؛ ووفق باسكال أوديل فإنّ للمعرض هذا العام طابعاً خاصّاً «لأنّنا نعيش النّسخة السّادسة منه أوّلاً، ولأنّنا بحاجةٍ ماسّةٍ إلى خلق جديدٍ لجهة التّقنيّات ونوعيّة الأعمال المُقدّمة، مع الحفاظ على روحيّة المعرض». ويتحقّق ذلك عن طريق مشاركة عددٍ كبيرٍ من المعارض هذا العام، والاعتماد على الفنّ الرّقميّ بالتّركيز على الرّبط بين الافتراض والواقع، وعلى التّخطيط بين أنماطٍ مختلفةٍ من الافتراضات. ويعتمد ذلك على الفكرة المُتّبعة وليس فقط على أسلوب التّقديم، وعلى السّعي إلى إظهار ذلك جليّاً في العروض المُقدَّمة. وبحسب أوديل «فإنّ الفنّ الرّقميّ سيكون جزءاً من تاريخ الفنّ المعاصر لِما له من دورٍ أساسيٍّ يؤدّيه تجانساً مع الواقعيّة والتّأقلم مع التّكنولوجيا الحديثة».

فنّ وتكنولوجيا

وعلى الرّغم من صعوبة المزج بين الواقع والافتراض، إلاّ أنّ أوديل يرى أنّ الفصل بين الفنّ والتّكنولوجيا أمرٌ مستحيلٌ اليوم، «فالتّكنولوجيا والفنّ أصبحا قصّةً واحدةً تقريباً، والدّليل على ذلك استحضار تقنيّاتٍ جديدةٍ في مجال الفنّ والتّصوير الفوتوغرافيّ والفيديو منذ القرن التّاسع عشر. فلا يسعنا سوى شكر كلّ الفنّانين الذين شاركوا في المعرض وتركوا بصماتهم في ذلك، ونعتزّ أيضًا بكلّ المعارض اللّبنانيّة المُشاركة».

للفنّانين الشّباب حصّة الأسد

للفنّانين الجُدد حصّة الأسد من المعرض الذي يُعدّ فرصةً خصبةً لعرض إنتاجاتهم الفنّيّة أمام عددٍ كبيرٍ من الخبراء والصّحافيّين والجامعيّين والهواة أيضاً. «ويساهم المعرض أيضاً في توفير مساحةٍ لهم لإبراز أسمائهم وإثبات قدراتهم الفنّيّة، وذلك بوجود طاولاتٍ مستديرةٍ وحلقات نقاشٍ تسلّط الضّوء على فنّهم وعلى موضوعاتٍ فنيّةٍ أخرى متعدّدة، ما يُفيدهم لاحقاً في حلقات التّبادل مع الخارج».

لكن ماذا عن دور هؤلاء الفنّانين الشّباب في تعزير روحيّة المعارض والمُساهمة في تجديد نوعيّة الأعمال المقدَّمة؟ يُجيب أوديل: «سوف يكون لهؤلاء دورٌ مهمٌّ في خلق روحيّةٍ جديدةٍ للمعرض تُناسب الفكرة الأساسيّة، التي تعتمد على الفنّ الرّقميّ والتّكنولوجيا».

مُتعّةٌ وثقافةٌ فنّيّة

أمام فورة المعارض في المنطقة، وفي ظلّ عصرٍ تغزوه العولمة وتتطوّر فيه وسائل الاتّصال، هل يُمكن اليوم أن تُقدّم تلك المعارض شيئاً حِيال التّغيير والتّطوّر في لبنان والمنطقة؟ يقول أوديل: «ممّا لا شكّ فيه أنّ المعرض سيستقدم عدداً كبيراً من الزّائرين، الأمر الذي سيُساهم في تحريك العجلة الاقتصاديّة بتشغيل الفنادق والمطاعم وشركات السّيّارات مثلاً». ويُتابع: «عندما يكون الاقتصاد بحالةٍ جيّدةٍ سيخلق ذلك إيجابيّةً على صعيد اسم لبنان وصورته في الخارج. ويُمكن التّحدّث مطوّلاً عن الإيجابيّات المتعلّقة بالمستوى الثّقافيّ، وذلك بتحوّل المعرض إلى مصدرٍ أساسيٍّ للمعلومات حول الفنّانين والاتّجاهات الفنّيّة والمعارض، فهو سيضمّ باقةً من الثّقافات المتناقضة وسيشمل السّاحات الفنّيّة من المغرب وصولاً إلى أندويسيا».

ومن المتوقّع أن يكون المعرض جزءاً من التّطوّر العالميّ، بحيث سيضمّ أوّل مرّةٍ دورةً حول الفنون الرّقميّة التي تجمع بين المُتعة والتّعلُّم، وتأتي الصّور والتّصاميم وطاولات النّقاش لتعزّز هذا التّطوّر وتقدّم تنوّعاً فنّيّاً وثقافيّاً للزّائرين.

من أجل الفنّ والفنّانين

ويقول أوديل عن التّحدّيات التي واجهها المعنيّون أثناء الإعداد للمعرض: «إنّ الوضع الذي نعيشه صعبٌ على مستوياتٍ عدّة، ولكنّ المعرض سيكون فرصةً لزوّارٍ كثيرين للمجيء إليه والجلوس ساعاتٍ طويلةً والاستمتاع بالقطع الفنّيّة والجلسات الحواريّة والنّقاشات، وسيكون ذلك فرصةً للخروج ولو قليلاً من الوضع الصّعب الذي يعيشه لبنان والمنطقة العربيّة بعامّة. اليوم، التّحدّي الأكبر بالنسبة إليّ هو أن أصل إلى مرحلةٍ يعلم فيها جميع اللّبنانيّين أنّ المعرض لهم، وأنّنا نقوم بذلك من أجل الفنّ والفنّانين، ومن أجل خلق رؤيةٍ أفضل للاتّصال مع الخارج، وتكوين أفضل صورةٍ لاسم لبنان. والأهمّ من ذلك أن نثبت أنّ لبنان لا يزال بخيرٍ وأنّ لديه القدرة على الاستمرار في استقطاب مشاريعَ مماثلة». ويُضيف أوديل: «أؤكّد أنّ لبنان يُمثّل اليوم قلب دول منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرقها».

ثورةٌ إبداعيّةٌ وتقنيّة

وكيف تصف مستوى الفنّ المعاصر في لبنان؟ وأيّ مستقبلٍ له؟

يقول: «بالنّسبة إلى المستقبل، فلا يمكننا التّكهّن بذلك. ولكنّني أقول إنّه يُمكن الحديث عن ثورةٍ في عالم الفنّ المعاصر في لبنان بطريقةٍ مثيرةٍ جدّاً. وأتحدّث هنا عن ثورةٍ لجهة التّقنيّات والإبداع، بحيث تقوم المعارض بمجهودٍ كبيرٍ حِيال ذلك وبخاصّةٍ في ظلّ الوضع الحاليّ الصّعب. هذا يُعدّ مدهشاً بالنّسبة إلى الفنّ في لبنان، فلا مغالاة إذا قلنا إنّه لا يوجد فرقٌ كبيرٌ بين الفنّ المعاصر في لبنان وأوروبا لجهة التّقنيّات والعمل، وربّما لا أجد فرقاً سوى في القضايا المطروحة. ففي أوروبا لا نجد مواضيعَ مهمّةً مثل حقوق الإنسان والمرأة والهجرة أو التّمييز بين الجنسَين!».

ويُتابع أوديل: «إنّ الفنّانين اللّبنانيّين متميّزون ولا يقلّون شأناً عن زملائهم الأجانب، ولكنّهم يحتاجون إلى المزيد من الدّعم والتّشجيع للذّهاب عالميّاً، فهم يمتلكون كلّ الإمكانات والطّاقات لمنافسة أهمّ الفنانين العالميّين. ولا ننسى أنّهم يحتاجون أيضاً إلى المعارض والتّواصل الإيجابيّ».

قطعٌ فنّيّةٌ متميّزة

وعن القطع الفنّية التي يسعى أوديل إلى الحصول عليها في المعرض، يقول: «يستضيف المعرض خمسين صالة عرضٍ دوليّةً قائمةً على الإبداع المعاصر بتقييم أعمال مئات الفنّانين. يُسعدني أن أتحدّث أكثر عن القطع التي نستضيفها، وهي جميعها مختلفةٌ ومتميّزةٌ من حيث النّوعيّة والفكرة والتّشكيلة. ويمكن أن نجد كلّ ما نريد في المعرض، فسيكون هناك مشاركةٌ لمعارضَ أوروبيّةٍ وفنّانين مُبدعين من الدّول العربيّة، وسيبهَر النّاس بالمواهب اللّبنانيّة».

مقالات قد تثير اهتمامك