ثورةٌ بلا تحرّشٍ جنسيّ؟

ثورةٌ بلا تحرّشٍ جنسيّ؟

«عندما تقود التّظاهرة امرأةٌ عارية الصّدر لترفع العلم اللّبنانيّ في ساحة الشّهداء، عندها ستنجح ثورتنا». عبارةٌ كتبها ناشطٌ على الفايسبوك تعبيراً عن جانب من المطالب الاجتماعيّة للحراك الشّعبي: مساواة الجنسَين بدءاً من تحرير جسد الأنثى ممّا وُسِمَ به من سوءةٍ وشيطنةٍ وعورة. إذ لا معنى لأيّ تغييرٍ سياسيٍّ لا يشمل تحديث المنظومة الثّقافيّة البطريركيّة وفي مقدّمها النّظرة إلى المرأة ومكانتها ودورها وجسمها. وكان لدور الشّابّات المتقدّم في هذا الحراك المدنيّ أثرٌ كبيرٌ في الرّأي العام. في المقابل فإنّ أصواتاً محافظةً تعالت من القاهرة آخذةً على بعض البيروتيّات اللّواتي تظاهرهن بالشّورت، مع أنّها انتفاضةٌ لم تشهد تحرّشاً جنسيّاً بالرّغم من سفور الفتيات وتخففهنّ من الملابس في عزّ آب اللّهاب (في وقتٍ شهد أكثر من ميدانٍ عربيٍّ للتّحرير تحرّشاتٍ فرديّةً وجماعيّةً حتّى اغتصاباً لمحجّبات) فهل يُعقل؟

لا يعني ما سبقَ غياب النّظرة الذّكوريّة تماماً عن المتظاهرين حتّى المتظاهرات. إحدى اليافطات وعلى سبيل إهانة الطّبقة السّياسيّة قالت إنّها تفعل ما تفعله ميا خليفة في الأفلام، ما استدعى من متظاهرٍ اعتراضاً ومطالبةً بإنزال اليافطة «لأنّ الجنس أو تمثيل أفلامٍ إباحيّةٍ حقٌّ للبورن ستار اللّبنانيّة الأميركيّة يكفله القانون حيث تعيش في الولايات المتّحدة وحيث لا يُربط الشّرف بجسد المرأة». أضف كونَ المرأة موطوءةً من الرّجل، كما تطلبُ الطّبيعة، ليس نقيصةً (إلاّ في بعض الفكر الدّينيّ والاجتماعيّ) لتُشبَّه الحكومةُ المذمومةُ بالموطوءة، أيْ بكلّ زوجةٍ وحبيبة.

تبقى مفارقةٌ لافتةٌ تتمثّل في اجتماع العُنف المنزليّ وجرائم قتل الزّوجات في مختلف المناطق (والطّوائف) اللّبنانيّة، مع انضباط الرّجال في الشّارع والسّاحة والحيِّز العامّ.

ختاماً نقول إنّ تحرير جسد الفتاة والمرأة والأمّ من بعض الرّموز المسيئة والوظائف المحدّدة التي أُلصقت به، حاجةٌ للتقدّم وإحقاقٌ لحريّة الفرد التي لا ديموقراطيّة سياسيّةً من دونها. وإنّ امتلاك المرأة حقّها في جسمها وفكرها لا يعني حرّيّةً جنسيّةً بلا حدودٍ بل خروجاً عن سلطةٍ ذكوريّةٍ تستعبد النّساء وتستغلهنّ من البيت والمدرسة والعمل إلى مهاجع الأزواج وبيوت البغاء. فلا بدّ أن يقود تحريرُ الجسد إلى التّحرّر منه لأنّ الارتقاء بجسم الأنثى (كما الرّجل) إنّما يبدأ من تركه ينهل ممّا وهبته الطّبيعة ضمن ضوابطَ خاصّةٍ وعامّةٍ طبعاً تفرضها اللّحظة المعاصرة والاجتماع الحيّ.

ولهذا الحراك المدنيّ من «الحسناء» وأسرتها كلّ الأماني بالتّفتّح والثّمر الوفير.

مقالات قد تثير اهتمامك