مدير «آفاق» التنفيذيّ أسامة الرفاعي: «المموّلون هم التحدّي الأصعب»

 الأربعاء، نظمت جمعية «آفاق» عشاءها السّنويّ، في محاولةٍ منها لجذب مموّلين لبنانيّين من أفرادٍ وشركاتٍ، إلى برامجها التي تبلغ قيمتها هذه السّنة نحو 3.5 مليون دولار. وهو حدثٌ يشي ببارقةِ أملٍ حول إمكانيّة تمويل الحياة الثّقافيّة، وجعل الفنّ مُمكناً للمُبدعين المبتدئين، بالرّغم من كلّ الفوضى العاصفة في المنطقة والفراغ الضّارب في لبنان.

متطرفٌ هو  المدير التنفيذي لـ "آفاق" أسامة الرّفاعي، وكأيّ متطرّفٍ آخر، مستعدٌّ لتخطّي كلّ ما يعترض رؤيته وأفكاره في سبيل تحقيقها. غير أنّ التّطرّف في الفنّ، إذا أصاب هدفه، قادرٌ على إحداثِ تغييرٍ إيجابيٍّ فقط، أمّا النّتيجة فرابحون كثيرون.

دعم الفنانّين في بدايتهم

يتحدّثُ الرفاعي بشغفٍ عن سنوات «آفاق» (Afak) العشر. ويستعرضُ إنجازاتها ولا يخشى من الغوصِ في إخفاقاتٍ أدّت إلى تحسين أداء المشروع الذي يرأسه. يصوّب في حديثه على ثلاثة أمور: الجاهلون بقدرة الفنّ على التّغيير، والذين يعدّون الفنّ ديكوراً لبرجوازيّتهم، والذين يكتفون بدعم الفنّانين المعروفين الذين ما عادوا يحتاجون دعم أحد.

 يستحضر الرّفاعي مثالاً لا يزال حاضراً بقوّةٍ في ذاكرتنا القريبة: «إيلي داغر الفائز بسعفة «كان»، ما كان ليسمع عنه أحدٌ لولا إيمان «آفاق» به ودعمها له، وها هم المموّلون يتسابقون عليه لدعم إنتاجه اليوم». وما ينطبق على داغر  ينطبق على الكثير من الكتّاب والمخرجين والمسرحيّين والموسيقيّين والرّوائيّين الذين ينتظرون فرصةً لإطلاق إبداعاتهم، وهذا بالتّحديد ما تقوم به «آفاق» منذ عشر سنواتٍ وبميزانيّاتٍ تخطّى مجموعها عتبة الـ 18مليون دولار. عِلماً أنّ «آفاق» لا تدعم الأفراد فقط، بل المؤسّسات الفنّيّة الصّغيرة أيضاً التي هي في طور انطلاقتها.

صورةٌ واقعيّة

ينتقد أسامة الرّفاعي القائلين إنّ الفنّ ليس أولويّة، وإنّ الثّقافة لا تستحقّ هذا الدّعم مع وجود أولويّاتٍ أخرى. «فنحن نؤمن أنّ الفنون تُمكّن المجتمعات، وتدفع النّاس إلى الاستقلال بآرائهم، والتّعبير عن أنفسهم. وإنّ مَهَمّة الفنّ هي تقديم صورةٍ واقعيّةٍ غير مشوّشةٍ بإسقاطات الإعلام العاديّ أو ما نراه في السّينما التّجاريّة والتّلفزيون».
نسأله عن الأزمات السّياسيّة والأمنيّة التي تفرض أولويّاتٍ أخرى، فيجيب: «هناك دائماً مَن يدعم الجسد، ومن يداوي جرحه ويُطعم جوعه ويروي عطشه، وهذا ضروريّ، لكن مَن يدعم العقل ويداويه؟ هل يُمكن أن يُشفى الجسد وتترك العقول؟! هذا الأمر لا يصحّح مجتمعاً».

ثلاثة مساراتٍ أساسيّة

فهل الفنّ هو علاجٌ إذاً؟ أو ترفٌ فكريٌّ فقط؟
يوضح الرّفاعي أنّ رؤيته تنقسم إلى ثلاثة مسارات: الأوّل هو الفنّ من أجل الفنّ، ومن أجل قيمته المتأصّلة بجماليّته، ولكونه وسيلةً أساسيّةً للتّعبير. أمّا المسار الثّاني، فهو فنّ القضيّة، لذا «نحرص على دعم أعمالٍ ذات قضيّة، كقضيّة المرأة وحقوق الإنسان والفئات المهمّشة والذّاكرة الفرديّة أو الجماعيّة، وليس هناك أفضل من الفنّ لفهم المجتمع وعكس مكنوناته، ولا يُمكن تغيير شيءٍ لم نفهمه جيّداً». والمسار الثّالث، هو التّدريب وصقل القدرات وذلك بدعم ورشات العمل المختلفة وبإشراك المستفيدين من البرنامج في معارضَ ومهرجاناتٍ دوليّةٍ وتقديم فرصة الظّهور لهم وإبراز أعمالهم والاحتكاك بالمجتمع الفنّيّ العالميّ لكي لا يكون الفنّ اللّبنانيّ معزولاً عنه.
ويرى الرّفاعي أنّ المسارات الثّلاثة هذه، غالباً ما تكون مترابطة.

عمليّة الاختيار

هنا يُطرح سؤالٌ أساسيٌّ حول طريقة اختيار المشاريع التي تستفيد من «آفاق». فمن له حقّ القبول أو الرّفض وعلى أيّ أساس. يوضح الرّفاعي أنّ مهمّة اختيار المستفيدين تكون على عاتق مجموعةٍ من المحكّمين من مختلف العالم العربيّ، والأهمّ أنّهم لا يعرفون بعضهم بعضاً ولا يوجد تواصلٌ في ما بينهم، في وقتٍ لا تتدخّل «آفاق» مطلقاً في عمليّة الاختيار هذه. ويُمكن لأيّ فنّانٍ أن يتقدّم بطلبٍ على الموقع الإلكترونيّ الخاصّ مرّتَين في السّنة.

مقياس النّجاح

أمّا مقياس نجاح المشروع فهو مسألةٌ مختلفة، لاسيّما أنّ الفنّ يصعب قياسه وتصعب معرفة تأثيراته على الفنّان أو الجمهور. لذلك ابتكرت «آفاق» آليةً جديدةً لقياس ذلك النّجاح وتعتمد بالمرحلة الأولى على قياس وصول الأعمال إلى النّاس، وكم تابعوا المشاريع. أمّا المرحلة الثّانية، فتعتمد عل قياس تأثير الأعمال في الفنّانين أنفسهم بتقديم «دراسة حالة» لتوثيق آلية العمل بدءاً من الموافقة على المشروع وصولاً إلى النّشر وما بعد النّشر. وهكذا يُمكن للمموّلين أو للمشاركين الرّاغبين في الاطّلاع على تلك التّجارب أن يكتشفوا بأنفسهم مدى تأثير آفاق في الفنّانين ومسيرتهم.

التّمويل المحلّيّ؟!

وفي خصوص مسألة الحفاظ على الممولين يشير الرفاعي إلى أن "اللّبنانيّين لا يزالون حذرين في تمويل الأعمال الفنّيّة النّاشئة، لاسيّما مع وجود ظاهرة التّمويل لصالح مشاريعَ كبيرةٍ كالمتاحف أو جمع الأعمال الفنيّة الثّمينة، ويكون هدف بعضٍ منها استغلال الفنّ لدعم المظاهر، فهي «عرض عضلات» بمعنًى آخر». يُضيف: «لكن إن كان دعم المتاحف وإنشاؤها مهمّاً- وهو كذلك - علينا أن نسأل كيف يُمكن للفنّانين النّاشئين الوصول إلى تلك المتاحف وعرض أعمالهم فيها إذا لم يتمّ دعمهم في بداية مشوارهم؟!».
لذا يرى الرّفاعي ضرورة أن يعيَ القادرين على التّمويل، أهمّيّة دعم مشاريعَ مثل «آفاق»، التي سيكون لها مردودٌ مضاعفٌ فنّيّاً في المستقبل.
ومن ناحيةٍ أخرى، يرفض الرّفاعي تحميل وزارة الثّقافة أو الجهات الحكوميّة المسؤوليّة في دعم تلك المشاريع، فهي ليست لديها الموارد لذلك كما يقول، وعند الحديث عن إمكانيّتها كسلطةٍ في المساعدة أكان في تقديم الرّعاية أو الأماكن أو حتّى تسهيل المعاملات، يقول: «لن نعلّم الوزارات عملها، لكن إن طلبت رأينا فلدينا رأيٌ نقدّمه».

مقالات قد تثير اهتمامك