"فيلم كتير كبير" أكبر مما يبدو

لا يوحي اسم "فيلم كتير كبير" بأنه فيلم مميز، بل أن اللعب على الكلام أضعفه بدل أن يمنحه ثقلاً، حتى بدا كواحد من الأفلام الخفيفة السطحية التي تجتاح السينما المحلية محققة أرباحاً تجارية على حساب المستوى والمضمون. غير أن مشاهدة الفيلم تضع حداً لكل التكهنات. إنه فيلم الموسم، وأحد أهم الأفلام التي أنتجتها السينما اللبنانية.
من هو مير جان بو شعيا؟ من هذا المخرج الشاب الذي يجرؤ على عمل كهذا، عمل انطلق كمشروع طالبي لا أكثر. أفلام الطلاب غالباً لا تصلح للعرض التجاري، أحياناً تقطفها بعض المهرجانات أو تضاف إلى لائحة الأفلام البديلة التي لا تفلح في شق طريقها نحو الصالات التجارية. فمن هو هذا المخرج الذي استطاع رغم خبرته المعدومة أن يقنع شركة انتاج بعمله؟ ومن أين له هذه الثقة بالنفس ليقدم عملاً كهذا.
تجرأ بو شعيا، تجرأ على مقارعة أسماء لّماعة تمطرنا بالأعمال السطحية السيئة مضموناً وتنفيذاً، فالمواضيع الخفيفة في السينما ليست محرمة، بل من قال إن الأفلام يجب أن تكون نخبوية، أو يجب أن تمر على كليشيهات القضايا الاجتماعية لتنال شرعيتها؟ لكن التنفيذ السيئ مصيبة، ضعف الإخراج لا يغتفر، والسيناريو العاطل هو سمة الكثير من أفلامنا. قلة فقط نجحت في محاكاة لغة الناس، قلة احضرت الشارع إلى السينما، فيما وقعت غالبية الكتاب في إظهار العضلات اللغوية واللعب على الكلام غير آبهة بالقاعدة الذهبية: أفضل الأعمال أبسطها.
أما مخرجنا هذا، فتجرأ حتى على السائد، قدّم حبكة متماسكة لم تخل من المفاجآت، قصة مكتملة المعالم، ساخراً فيها من كليشيهات القضايا اللبنانية. فيتحدث الفيلم عن شقيقين ومخرج ينتجان فيلماً لتهريب شحنة مخدرات عبر أشرطة التصوير. للحظة نظن أنه مستوحى من فيلم آرغو الشهير، الذي يتحدث عن تظاهر المخاربات الأميركية بإنتاج فيلم لتهريب طاقم السفارة الأميركية في طهران، لكن سرعان ما يتبدد الظن، ويستخدم الفيلم الوليد في لحظة للسخرية من كليشيهات أخرى، الزواج المختلط بين الطوائف، فيعريها أمام الواقع الذي لا يمكن تغييره، لنجدنا أمام تركيبة مختلفة ومقنعة مدعومة بسيناريو هو الأصدق على الإطلاق. سيناريو لم نر بواقعيته منذ مسرحيات زياد الرحباني، رغم الاختلاف الكبير بين الكتابة للمسرح والكتابة للسينما، لكن الروحية نفسها، روحية تستمد قوتها من الناس، تأخد كلماتهم وانفعالتهم كما هي، وليس كما يحب الكاتب أن تكون.
أما التمثيل، فكان التحدي الأكبر، تحد نجح المخرج فيه، عمل على صقل الشخصيات بأفضل ما يكون، فكانت مقنعة بمعظمها، بالتأكيد ثمة تفاوت في أداء الممثلين، هذا يصعب ضبطه، لكن الحبكة المتكاملة والسيناريو المبكّل طغى على هذا الضعف، بالإضافة إلى التصوير. فحركة الكاميرا تحررت من اللقطات والكادرات الثابتة، فركز المخرج (ومدير التصوير) على اللقطات من كاميرا محمولة على الكتف، لتعطي كل حركة المزيد من الحياة، وتجعلها واقعية أكثر، متكاملة مع الموسيقى الجميلة التي وضعها ميشال الفتريادس. لكن بو شعيا أخفق في بعض الإضافات على العمل وتحديداً التأثيرات الخاصة special effects، كالانفجارات التي وضعها ولم تكن مقنعة، ربما كان عليه التقاطها بشكل أفضل، فبدت وكأنها مركبة على المشاهد وليست جزءاً منها.
نعم تجرأ مير جان بو شعيا، وقدم عملاً غير عادي في بلد تغرق فيه السينما برتابتها، يكفي أن نجول على آخر الأفلام اللبنانية، لنرى الفارق الكبير، قلة من الأفلام قدمت أعمالاً مقنعة، ومعظمها لم ينل حقه في شباك التذاكر، الا ما كان مدعوماً بحملة إعلانات سخية، بسبب الإنتاج الأجنبي في معظم الأحيان.
بعد مشاهدة "فيلم كتير كبير" ندرك أنه يستحق جائزة أفضل فيلم في مهرجان مراكش الدولي، ويستحق حضوره في مهرجان تورنتو بل ويستحق الكثير من الجوائز الأخرى. فعندما تجرأ مير جان بو شعيا، نجح في أن يضع اسمه على لائحة المخرجين اللبنانيين المميزين، قائلاً لجميع منافسيه: احفظوا اسمي جيداً.

مقالات قد تثير اهتمامك