وداعاً جورج طرابيشي: هكذا إله ليس موجوداً

وداعاً جورج طرابيشي: هكذا إله ليس موجوداً

امضى جورج طرابيشي عمره بين ثقافتَين شرقية وغربية مسكتشفاً ومقارناً وباحثاً بمنهجيات اختلفت بين وجودية وماركسية وثقافوية. لم يركن المثقف الموسوعي صاحب عشرات المؤلفات والمائتي كتاب مترجم، الى منهجٍ وحيد وخلاصات معرفية لا يرقى اليها شكُّه. بل بقيَ اميناً لـ"روح" العالِم الذي يعرف انه لا يعرف، محاولاً اقناع اهل ملّته وسائر ملل وطنه سوريا والعالم العربي بأنَ كل يقين قاتل وكل حقيقةٍ مشروعُ حقيقة اخرى الى ما لا نهاية. اقام طرابيشي مع محمد عابد الجابري حواراً معرفياً نقدياً وكذلك فعل مع حسن حنفي وسواهما من مفكّري العرب البارزين في النصف الثاني من القرن الماضي. ترك سوريا الى بيروت واواخر الثمانينات هاجر الى باريس ليواصل رحلته في نبش التراث الاسلامي وترجمة الغرب واعلامه الى لغة الضاد واهلها. وصمتَ بعد مقالة نشرها مع اندلاع الثورة السورية متخوّفاً من حرفها وانحرافها. ثم عاد ليجيب سائليه عن الثورة بعد سنوات انه خائب لتحقُّق ما توقّع.

الشهادة شبه الاخيرة قبل رحيله امس تمثلت في توقفه عند ست محطات في مسار عمره. المحطة الاولى عندما اصابته حمى بعدما خوّفه الكاهن من حريق ابديّ للخطأة في نار جهنّم. كان عائداً الى البيت فشاهد المراهقُ ثلاث ايطاليات ليعيش صراعاً بين النظر اليهن و"السقوط" في الشهوة وهي خطيئة مميتة ما لم يغفرها ممثل الربّ، اي الكاهن، على كرسيّ الاعتراف. يكتب: "لمّا افقت من الحمّى بعد يومين قلت ان هذا الاله الذي حدثني عنه الكاهن لا يمكن ان يوجد  ولا ان يكون ظالماً الى هذا الحدّ. ومن يومها كففتُ عن ان اكون مسيحياً". من محطات حياته المحطة الرابعة ويقول فيها "بعد مرحلة القوميـة العربية والبعثية واليسـارية والماركسية، جاء دور فرويد". وقد ترجم طرابيشي معظم مؤلفات مؤسس التحليل النفسي الى العربية.

مقالات قد تثير اهتمامك