يمنى العيد في سيرتها: نختزل الرجل في عضوه
يمنى العيد في سيرتها: نختزل الرجل في عضوه

يمنى العيد في سيرتها: نختزل الرجل في عضوه

صدرت في باريس عن "لارماتان" الترجمة الفرنسية لسيرة الكاتبة والناقدة الادبية البارزة يمنى العيد "أرقُ الروح"، وفيها تستعرض مفاصل من حياتها العائلية ونضالها في اليسار او كمديرة ثانوية البنات في صيدا. فمن بيت حيث "القرآن هو كتابهم الوحيد الذي يقرأون فيه" الى التخرج من كلية التربية العليا في الجامعة اللبنانية التي انشئت العام 1951 والحياة في بيروت (في "فواييه" للراهبات اولاً) حيث عناق الحرية و"ضياعٌ يبث فيك الرغبة لاستعادة الذات" والتخفف ما امكن من الماضي محتفظين بالجميل والجوهريّ منه. الماضي "انه الانتماء، افكّر، لا فكاك لنا منه وإن احدثنا فيه ثقوباً"، هكذا تكتب العيد متأملةً حصاد العمر.

بين حِكمت ويمنى

قامت بالترجمة الى الفرنسية ليلى خطيب. وهي سيرةٌ كُتبت بعين المرأة الحائرة بين اسمها الرسميّ حكمت الصباغ الذي يرمز الى الاهل والعادات ودلالات الاسم نفسه و"زمنٍ مضى"، والثاني الذي اختارته لاحقاً وعُرفت به ناقدة ادبية متميّزة: يمنى العيد. شيء من السرد الروائيّ اضفى على النص روحه وبُعده الدراميّ الذي جعلَه يُشرق في العديد من المحطات.

الجسد

وتتوقف الكاتبة عند العلاقة مع الجسد وكيف انها لم تعرف جسد زوجها: "لم اعرف جسد رجل حتى بعد ان تزوجت. نحن نتزوج في العتمة. وجسد الانسان، في أعرافنا، عضوه. الجسد في وعي جيلنا وبيئتي الاجتماعية مختزلٌ في عضو صاحبه الجنسي، وهو لهذا مركون في الظلام والغيب".

الوالد وكروموزوم الانوثة

يبدأ الكتاب من الاهداء "الى صيدا المدينة التي رأيتُ فيها النور وإلى نزيه (حبيب الكاتبة وزوجها) الذي زوّدني بفرح الحياة"، وينتهي بوصف العلاقة الصعبة مع الأب. هذا الوالد ابن الصوفيّ الواصل من فاس في المغرب على ظهر بغلة محمّلة بخوابي الذهب ليبني في صيدا جامعاً اسموه بجامع "المجذوب"، اي المتصوّف. اما ابنه (والد الكاتبة) الذي لقّبه الاتراك بالشيخ لانه "علّم اولاد المدينة الفينيقية التركية بحروف عربية"، فلم يصغِ الى الكروموزوم x، كروموزوم الانوثة في الرجل. كما تكتب، بل اعتاد العناية بعائلته من دون ان يُظهر ولو بارقة حنان ودفء. ولما سقط في الكآبة بعد موت زوجته تركه الابناء والبنات يغرق في الحزن: "ولم نلاحظ الكلام يموت شيئاً فشيئاً على شفتيه". وهو لم يعتد الطلب من احد لان الرجولة كانت تعني اصدار الاوامر فقط، فقضى "معذّبا برجولته المقهورة في وحدتها". بل وتلوم الكاتبة نفسها واخوتها انه بينما كان يؤسس للعائلة داراً ومصنعاً وتجارة كانوا يحلمون بالسفر بعيداً وهي الى بيروت ثم باريس لنيل الدكتوراه.

لا للسلاح

كما تطرح حرب لبنان حيث نشطت في اليسار حتى وهي مديرة ثانوية صيدا الرسمية للبنات وكان انتماؤها الى الحزب الشيوعي ونشاطها فيه تأييداً للحركة الوطنية مخالفاً قانون الموظفين في الدولة. لكنها لم تعبأ اذ كان الأَولى لها تغيير النظام والدستور الذي يحمي التركيبة الطائفية، سعياً نحو قيم المواطنة والعلمنة. ولكن عندما وصلت تظاهرات اليسار عشية الحرب الى مدرستها حيث جلس الطلاب على كرسيها وانزلوا صورة رئيس الجمهورية قالت لهم: تذكروا ان المدارس كما الجامعات الرسمية هي الوجه الايجابي للدولة ومن خلالها تنشأ طبقة وسطى متعلّمة تغيّر النظام الطائفي. وحين طلب منها احد قادة حزبها نقل السلاح للمقاتلين رفضت: "لن احمل السلاح، قلت لنفسي، ولن اوافق على حمله وتوسله في اي خلاف لبناني-لبناني. قلمي هو وسيلتي للنضال السلمي. السلاح فقط ضد من يحتل ارضي ووطني".

مدارس الطوائف

قبل هذا تروي العيد ايضاً عامها السيّئ تلميذةً في مدرسة راهبات القديس يوسف حيث "اللغة الفرنسية والدين والمكان المغلق". كان لكل طائفة مدارسها. و"آلمتني اجواء التعصب في المدرسة انا التي فتحت عينيّ في احياء مدينة صيدا القديمة على جيران مسيحيين نحبهم(...) وكنت انفر مما تحكيه بعض النسوة الزائرات لأمي عن نجاسة المسيحي". لكن "شعرتُ بالاختلاف في مدرسة عبرين، او العائلة المقدسة، التي انتقلت اليها. مدرسة للراهبات، اي بهوية مسيحية، ولكن بلا حواجز تُشعرنا بأننا مسلمات(...) ما الذي يجعل الانسان يشعر بالاختلاف، هل هو الدين؟ ام الناس وما ينشأون عليه؟". لا تحسم العيد في هذا او حين تقص واقعة تهديد امها اياها بذبحها لو تزوجت مسيحياً ("كما لو ان المسيحيّ سيحررني"). او تهديد اخيها بمنعها من ارتياد الجامعة واحياناً بالانتحار ما لم تكف عن صحبة احد رفاقها في الجامعة وقد غدا زوجها، لا تحسم ولكنها تسأل ذاتها: "هذا الله الذي هو واحد كيف يخوّل امهات زميلاتي المسيحيات التساهل مع بناتهن ويحلّل لأمي ذبحي".  (المقال كاملاً في عدد تموز من "الحسناء").

مقالات قد تثير اهتمامك