هل يهزّنا بعدُ رحيلُ الشعراء؟
هل يهزّنا بعدُ رحيلُ الشعراء؟

هل يهزّنا بعدُ رحيلُ الشعراء؟

ماذا يعني لقارئ عربيّ أن يرحل في يوم واحد (السبت الفائت) شاعران غربيّان كبيران هما الفرنسيّ إيف بونفوا والانكليزيّ السير جيفري هيل؟ بالأحرى هل ما زالت حياة الشعراء كما غيابهم مما يستدعي الوقوف عنده والسؤال عنه، حتى لو كانوا من شعرائنا اللبنانيين والعرب المعاصرين؟ وهل يلعب الشعر دوراً ولو صغيراً في حياتنا خارج المناهج والمقررات المدرسية؟

خسرَ الشعرُ في العقود الاخيرة مكانته كصوت سياسيّ واجتماعيّ ومنبريّ يصدر عن شاعرٍ فردٍ لكنه ينطق غالباً باسم الجماعة وثقافتها وقضاياها. فخفّ اهتمام الجماعة ومنابرها كما الافراد بالشعر الحديث والشعراء لانهم إما التفتوا الى ازمات الانسان كفرد ضائع وقلِقٍ في واقع مأزوم، بدلَ ان يتغنوا بالوطن والحب والحياة، او تخلّوا عن بحور الشعر وقوافيه سعياً وراء تجديد قصيدة استنفدت اغراضها، فابتدع كل شاعر اسلوباً ليس مما يألفه القراء العاديّون، لاسيّما ان الشعر الحديث غيرُ مقرَّرٍ في المدارس بل ويواجَه بحملاتِ الأوساط المحافظة والرجعية.  

كتبَ الشاعرُ القديم منطلِقاً من يقينِ معارفه الثقافية وثباتِ احواله وبطء سيْر الأزمنة. اما الشاعر الحديث، شاعرُ قصيدة النثر، فيكتب بدءاً من واقعٍ مرتجٍّ وتغيّراتٍ جذريّة في انماط التفكير من الدين الى الادب والثورات العلمية، وآخرها التكنولوجية، وآثارِها على الانسان ومكانته على الكوكب، وسعيه للسفر الى الكواكب البعيدة واستعمارها. ثم جاء شعراء ما بعد الحداثة ليهدموا ما أُنجز باعتباره لا يكفي لقول "الارض اليباب" التي سبق ان وصفها احدُ آباء الحداثة الشعرية، تي. اس. اليوت، فتخلّوا عن مفاهيم الحداثة نفسها لصالح نصٍّ ما بعد حداثيّ مخلخَل الاشكال، اكثر تماسّاً مع انسان الحروب والعنف، انسان الرأسمالية في طورها المسعور بعدما حقّقت نقلاتِ تطوّرٍ باهرة للإنسانية.

ونعود الى سؤالنا: ماذا قد يعني لقرّائنا رحيلُ الشعراء في اوقات الشدّة، لنجيب انهم لو تمهّلوا لوجدوا في القصيدة (الجيّدة) متَّكَأً، وربما ملاذاً، بعدما انهارت احلامٌ تمثّلت في ايديولوجيّاتٌ ارضيّة او اسطوريّة تهاوت كلها او انها في حفل سقوطها الاخير. ولو دقّقنا لوجدنا في تِركة الشعراء ما يرفد الوجود بالأمل والإنسان بحريّة لا تقيّدها عقبات او مقدّسات مهما علا شأوُها، حرّيّة لا تقيّدها الا لحظة الابداع نفسها. وهي لحظة اقوى من الشاعر والقصيدة والعالَم بل وتتغلبُ وهجاً وخلوداً على الموتَ نفسه.  

مقالات قد تثير اهتمامك