حبوب منع الحمل: دواءٌ قد يتحوّل إلى داء

لم تختفِ أوجاع ما قبل مرحلة الطّمث لدى ندى (20 عاماً) وبدأت أوقات دورتها الشّهريّة تتغيّر باستمرار، وتزامن الأمر مع نزف دمٍ في فتراتٍ بعيدةٍ عن دورتها الشّهريّة. في العادة، غالبيّة الفتيات يشعرنبآلام الطّمث وقد اعتدنها بِعدِّها أمراً طبيعيّاً، إلاّ أنّ أوجاع ندى فاقت المعتاد وترافق معها انخفاضٌ واضحٌ في كميّة الدّماء التي تسيل منها أثناء فترة الطّمث، ممّا بدا أمراً غير طبيعيّ. 

استمرّ هذا الوضع أشهراً قبل أن تُقرّر ندى مع والدتها زيارة الطّبيب النّسائيّ. بخجلٍ واضحٍ دخلت ندى إلى العيادة، وبدأت الأسئلة تنهمر عليها لتزيد من إحراجها أمام والدتها. وما زاد الأمر سوءاً أنّ الأسئلة المُحرجة لم تتوقّف عند حدود الشّكّ بوجود خللٍ فيزيولوجيٍّ ما، بل بدأت أسئلة الطّبيب تذهب في اتّجاه التّدقيق في سبب النّزف خارج إطار الدّورة الشّهريّة واحتمال أن تكون قد خاضت تجربةً جنسيّةً أفقدتها عذريّتها ممّا أدّى إلى حدوث ذلك. 

تعدّدت الحالات والدّواء واحد

ندى لم تتزوّج بعد، وهي تعيش ضمن عائلةٍ محافظةٍ جدّاً، فسبّبت كلّ هذه الأسئلة ارتباكاً شديداً زاده الفحص السّريريّ غموضاً وإحراجاً... إلى أنْ "نطق" الطّبيب بالمشكلة مشيراً إلى أنّ العوارض قد تكون مؤشّراً على وجود "أكياسٍ" في المبيض يجب إزالتها بواسطة "حبوب منع الحمل".
هذا العلاج هو قصّة إحراجٍ أخرى، لكنّه العلاج الوحيد المستعمل في مثل هذه الحالة وفي حالاتٍ أخرى. فعلى سبيل المثال، كانت عبير (25 عاماً) تُعاني من خللٍ هورمونيٍّ يجعل الشّعر على جسدها ينمو بسرعةٍ وبكثافةٍ غير معهودةٍ لدى الإناث. بالإضافة إلى ذلك، ترافقت العوارض مع ارتفاع وتيرة ظهور الحبوب في وجهها... لكنّها ما إنْ زارت طبيب العائلة حتّى قرّر إجراء فحوصاتٍ لها انتهت بإحالتها إلى الطّبيب النّسائيّ الذي وصف لها أحد أصناف أدوية منع الحمل كعلاجٍ لحالتها.
أيضاً، كانت حالة فاتن (23 عاماً) تتطلّب مثل هذا العلاج. فالدّورة الشّهريّة لديها لم تعد تأتي في موعدها المحدّد، وباتت فترات الطّمث لديها متباعدة، حتّى تجاوزت أطول فترةٍ طبّيّةٍ معروفةٍ وتبلغ 35 يوماً، فزارت الطّبيب المُختصّ ليصف لها دواء منع الحمل كعلاجٍ لإعادة تنظيم دورتها الشّهريّة. أمّا ليال المرأة المتزوّجة، فقد طلبت من طبيبها أن يصف لها أحد أدوية منع الحمل كوسيلةٍ للتّوقّف عن الإنجاب بصورةٍ مؤقتة.

لا علاج غيره أحياناً

هناك الكثير من الحالات التي عولجت بأدوية منع الحمل. فهذا الدّواء يُعدّ الأكثر فعاليّةٍ لمنع الحمل من الوسائل الأخرى (استخدام الواقي، والجراحة، وتعداد الأيّام...). فالطّبيبة النّسائيّة المُتخصّصة في هذا المجال جمال القرى، تشير إلى أنّ استعمال هذه الأدوية كعلاجٍ لحالةٍ مَرَضيّةٍ غير متّصلةٍ بالحمل مباشرة، هو أمرٌ شائعٌ جدّاً بين أوساط الفتيات العذارى وبين النّساء المتزوّجات أيضاً. فالمعروف طبّيّاً، أنّه إذا كان هناك ضعفٌ في المبيض فإنّه ما من علاجٍ له سوى هذا الدّواء المكوّن من هورمونَي "الأستروجين" و"البروجسترون". أيضاً تُستعمل هذه الأدوية في حالات وجود أكياسٍ في المبيض تمنع الإباضة فتمنع الحمل. وفي حالات وجود خللٍ هورمونيٍّ لدى النّساء عندما يظهر إفراز هورمون "التّوستيرون" لديهنّ ظهوراً أكثر من المعتاد، تُعيد هورمونات "الأستروجين" و"البروجسترون" صياغة إفرازات الهورمونات الأنثويّة وتنظيمها فتعود الإفرازات إلى حالتها الطّبيعيّة. هي أيضاً هورموناتٌ مستعملةٌ في علاج تنظيم الدّورة الشّهريّة. لكنْ هناك، وفق القرى، موانعُ عدّةٌ لاستعمال هذه الحبوب أبرزها متّصلٌ بعمر الفتيات العذارى اللاّتي يجب ألاّ يقلّ عمرهنّ عن 18 عاماً إلاّ في حالاتٍ استثنائيّة، أمّا استعمال الحوامل لها فهو أمرٌ غير مرغوبٍ طبّيّاً.

"السّرطان" بالمرصاد؟!

وتُشير القرى إلى أنّ بعض الدّراسات التي صدرت أخيراً، تُفيد أنّ هناك عوارضَ جانبيّةً لأدوية منع الحمل إذا استُخدمت بطريقةٍ غير مدروسة. فالهورمونات المكوّنة لهذه الأدوية قد تؤثّر على المدى البعيد في الجسم البشريّ وتؤدّي إلى الإصابة بسرطان المبيض. لذلك، تقول القرى، يجب ألاّ تُستخدم هذه الأدوية لفتراتٍ طويلةٍ تمتدّ بين 15 و20 سنةً من دون أن يكون هناك فترات استراحةٍ من الدّواء، "وإلاّ فإنّ خطورة الإصابة بمرض السّرطان تزداد".
وبحسب دراساتٍ علميّةٍ منشورة، فإنّ تناول هذه الحبوب قد يزيد من احتمالات الإصابة بسرطان الثّدي وعُنُق الرّحم. السّبب مُرتبطٌ مباشرةً بمستوى كثافة نوعَي الهورمونات المتوافرة فيهما. إذْ يشير الطّبيب النّسائيّ المُتخصّص روني خوري إلى أنّ غالبيّة حبوب منع الحمل مُركبّةٌ من "الأستروجين" و"البروجسترون"، وقلّة منها مركبّةٌ من الهورمون الأخير، أو من مشتقّاتٍ من هذين الهورمونَين. أمّا آثار هذيْن النّوعَيْن في صحّة المستهلك، فتتراوح بحسب مستوى الكثافة والتّوزيع في كلّ علبةِ دواءٍ (بعض العُلب تحتوي على حبوبٍ بمستوياتٍ مختلفةٍ من الكثافة). فبعضٌ منها يُسبّب تجلّط الدّم ويؤدّي إلى إغلاق شرايينَ أساسيّة؛ وهذان الهورمونان يحملان بطبيعتهما مخاطر الإصابة بالسّرطان، وكلّما زادت نسبة الأستروجين زادت هذه المخاطر.

لكلّ حالةٍ جرعتها...

في كلّ الأحوال، ترى القرى أنّه على أيّ طبيبٍ يُعطي هذا الدّواء كعلاجٍ لحالةٍ مرضيّةٍ ما، أن ينظر إلى مجموعة مؤشّراتٍ قبل وصف الدّواء لأنّه "يجب الموازنة بين الهورمونات وتأثيراتها المحتملة في الإناث وبخاصّةٍ في الفتيات بينهنّ". فبحسب الدّراسات العلميّة عن هذه الأدوية، إنّ نسبة كثافة الهورمونات قد تكون مؤذيةً أو قد تترك تأثيراتٍ جانبيّةً غير مرغوبة، أيْ أنّه يجب إعطاء كلّ جرعةٍ بحسب الحالة والحاجة إلى زيادةٍ أو خفض نسبة كثافة الهورومنَين المذكورَين في الدّواء. فبعض الأدوية فيها كثافةٌ في هورمون "الأستروجين" بنسبة 0.02 مقابل 0.035 "بروجستيرون"، وبعضها الآخر يحتوي على0.03 مقابل 0.3، أو 0.03 مقابل 0.15 أو مقابل 0.35...

تأثيرات في المديَين المتوسّط والبعيد

على الرّغم من ذلك، هناك جدلٌ واسعٌ حول هذه الأدوية وتأثيراتها في المديَين المتوسّط والبعيد، فبحسب دراساتٍ علميّةٍ مُتخصّصة، فإنّ أدوية منع الحمل تمنع الإصابة بسرطان المبيض، وهو الأكثر شيوعاً بين النّساء اللّواتي تفوق أعمارهنّ الـ 50 عاماً. ووفق باحثين في نشرة "لانسيت" البريطانيّة، تبيّن أنّه "كلّما طالت الفترة الزّمنيّة التي تتناول فيها النّساء حبوب منع الحمل قلّ احتمال إصابتهنّ بسرطان المبيض. فالنّساء اللّواتي يتناولنَ هذه الحبوب مدّة 15 عاماً يقلّ احتمال إصابتهنّ بالمرض بمعدل النّصف". وتستند هذه الدّراسة إلى حالاتٍ عمليّةٍ كانت نتيجتها "منع إصابة 200 ألف امرأةٍ في أنحاء العالم بسرطان المبيض، ومنع 100 ألف حالة وفاةٍ بسبب المرض". وتقدّر الدّراسة أنّ هناك أكثر من 300 مليون امرأةٍ حول العالم تتناول حبوب منع الحمل منذ إنتاجها في مطلع السّتّينيّات.
في الواقع، إنّ هذه الجدليّة، وفق خبراءَ في مجال الصّحّة الدّوائيّة، ناتجةٌ من الصّراع القائم بين شركات إنتاج الأدوية التي تُحاول تسويق هذه الأدوية على أنّها عنصرٌ إيجابيٌّ وله تأثيراتٌ جيّدةٌ في الصّحّة البشريّة، وبين الدّراسات الجدّيّة التي تحاول التّوصّل فعلاً إلى تأثيرات مثل هذه الأدوية في الإناث.

السّعر يتحكّم...  

أمّا حبوب منع الحمل الأكثر استعمالاً في لبنان فهي: ياسمين، ومينولت، ومارثيلون، وسيرزات، وديان، ولوجينون، وميكرولوت... واللاّئحة تطول، لكنّ الاستعمال في لبنان ليس على أساس المعايير الطّبّيّة المذكورة، بل على أساس عنصرَين أساسيَّين: السّعر ونسبة قبول هذا الدّواء كعلاج.
بالنّسبة إلى الأمر الأوّل، فإنّ نسبة استهلاك أدوية منع الحمل يختلف في المناطق اللّبنانيّة إذْ إنّ المناطق الأكثر فقراً تستخدم الأدوية الأقلّ سعراً مثل الشّمال، والبقاع، والضّواحي الجنوبيّة، والشّماليّة لمدينة بيروت. وفي هذه المناطق، إنّ الاستعمال، غالباً ما يكون من دون وصفةٍ طبيّة، فتشتري الإناث هذه الأدوية وَفق ما هو شائع، ما يزيد مخاطر الإصابة بالتّأثيرات الجانبيّة المحتملة لهذا النّوع من الأدوية. أمّا في بيروت، ومناطق الجبل، وكسروان، والمتن، وجبيل، والجنوب، فإنّ الاستعمال غالباً ما يكون بوصفةٍ طبيّةٍ ويكون مدروساً ممّا يقلّل خطر الإصابة بحدوث تأثيراتٍ جانبيّة.

والمجتمع أيضاً

وفي ما يخصّ قبول هذا الدّواء كعلاج، فإنّ المشكلة الأساسيّة تقع في خوف الفتيات غير المتزوّجات وقلقهنّ من نظرة المجتمع إليهنّ. والخوف هنا يُمكن تفسيره بسلوك المجتمع التّقليديّ المُحافظ تجاه الفتاة التي تأخذ هذا النّوع من العلاج. فهناك حالاتٌ كثيرةٌ دفعت المحيطين بالمريضة إلى الشّكّ بأنّها  قد لا تكون فتاةً عذراءَ نتيجة مواظبتها على أخذ حبوب منع الحمل، وهو أمرٌ يدفع الكثير من المريضات إلى الامتناع عن مثل هذا العلاج الذي يُثير شكوك الجيران والأقرباء ويحفّز أقاويلهم ويُطلق العنان لألسنتهم ضمن نظرة الشّكّ في كلام الفتاة، ولاسيّما أنّ المجتمع تحفّزه الشّائعات في العالم العربيّ، حيث قد يؤدّي تفسير الدّين بطريقةٍ خاطئةٍ إلى تغيّر نظرة المجتمع تجاه من تتناول هذه الأدوية. هذا الأمر ينطبق على المناطق الأكثر فقراً التي غالباً ما تكون العادات والتّقاليد هي الأكثر شيوعاً وتداولاً من أيّ نظرةٍ طبّيّة، بل يمكن أن تطال الأقاويل المرأة المتزوّجة التي يُمكن أن توصف بأبشع الطّرق وتُحاك حولها قصصٌ كثيرةٌ تدمّر سمعتها بين أبناء الحيّ الواحد أو ضمن العائلة الواحدة.
لكن في المجتمعات الأكثر تحرّراً، فإنّ هذا الأمر قد يكون نادر الحدوث، إذ بدأ المجتمع يتقبّل تناول المرأة أو الفتاة أدوية منع الحمل كعلاجٍ لمشكلةٍ طبيّةٍ قد تتحوّل مشكلةً مستعصيةً إذا لم تُعالج. فبحسب القرى، كانت هناك نظرة شكٍّ إلى هذه الأدوية بوصفها ليست علاجاً بل حلٌّ ما لمشكلةٍ اجتماعيّةٍ ــ شخصيّة، أمّا اليوم فالمجتمع "بات ينظر إلى أدوية منع الحمل ضمن ثقافةٍ عامّةٍ تتيح للفتيات تناولها من دون أن يثير الأمر الشّكوك في صحّة كلامها، فلم يعد الأمر يمثّل عقدة".
على أيّ حال، إن إهمال الحالة وتطوّر المرض لدى الفتيات قد يؤدّيان في بعض الحالات إلى العقم الكلّيّ في مراحلَ لاحقة. لكنّ العلاج يجب أن يمثّل خياراً أساسيّاً في هذا المجال، إذ إنه في بعض حالات انتفاخ المبيض أو تبيّن وجود أكياسٍ فيه، فإنّ تطوّر هذه الحالة من دون علاجٍ قد يدفع الطّبيب إلى اللّجوء إلى خيار الجراحة الطّبّيّة، أمّا في حالات عدم انتظام الدّورة الشّهريّة، فإنّ مضاعفته قد تكون غير محسوبةٍ وتنتج الكثير من التّعقيدات التي ترافق الفتاة العذراء.

مقالات قد تثير اهتمامك