المباني الأثريّــة: ثقافة الاستثمار أم استثمـار الثقافة | الحسناء
 

المباني الأثريّــة: ثقافة الاستثمار أم استثمـار الثقافة

يقف قصر «المير أمين» شامخاً في الشّوف كدلالةٍ واضحةٍ على استثمار أهمّ المعالم الأثريّة في المجال السّياحيّ. هذا القصر الذي يطلّ من القرن التّاسع عشر، يُعَدّ اليوم نموذجاً لأهمّ عمليّة استثمارٍ سياحيٍّ في الشّرق الأوسط.
إنّه قصرٌ ذو طابعٍ هندسيٍّ عثمانيٍّ وأثاثٍ شرقيّ؛ أمّا جدرانه فمرسومةٌ تحمل لوحاتٍ من الخشب، بالإضافة إلى ثريّا مصنوعةٍ من الخرز تُزيّن سقف القاعة الكبيرة فيه.

أمّا قصّة بنائه فتعود إلى عام 1838 أيّام الأمير أمين الابن الثّالث للأمير بشير الشّهابي. ينقل الرّواة أنّ الأمير أمين قرّر بناء قصرٍ مميّزٍ بعدما كلّفه والده بإدارة الشّؤون السّياسيّة والإنابة عنه عند غيابه. لكنّ هذا القصر التّاريخيّ تحوّل إلى فندقٍ في العام 1974 قبل أن تطاله آثار الحرب الأهليّة، فأُعيد تأهيله في عام 1987 ليكون فندقاً فاخراً ذا خمس نجومٍ يحفظ التّاريخ ويحمي التّراث اللّبنانيّ.

صراع وجهات النّظر

هذه القصّة ليست إلاّ أحد أوجه عمليات استثمار المباني الأثريّة في العمل السّياحيّ في لبنان. غير أنّ عمليّة التّحول هذه تستقطب صراعاً بين وجهتَي نظرٍ لم يُحسم بعد لمصلحة أيٍّ منهما؛ الأولى تشير إلى المباني الأثريّة والتّاريخيّة بوصفها إرثاً ثقافيّاً لا يمكن الحفاظ على هيكله فقط، بل يجب الحفاظ على نسيجه الاجتماعيّ والاقتصاديّ. أمّا الوجهة الثّانية فتجزم بأنّ استثماراً كهذا يُمثّل عامل جذبٍ سياحيٍّ يجب أن يجري تعميمه في مختلف المناطق من أجل تعزيز السّياحة التّراثيّة.
كلا النّظريّتَين تحملان أوجهاً إيجابيّةً للعمل السّياحيّ، لكنّهما تتعارضان في أهدافهما وفي عمق العلاقة بين المجتمع والتّاريخ. إلاّ أنّ وصف الواقع الحاليّ يلفت إلى تجربةٍ يمتزج فيها الحرص على الثّقافة مع مصالح المستثمرين. ففي بيروت ذات التّمركز السّكّانيّ والتّطوّر المدينيّ المُتسارع الخطى، تحوّلت مناطقُ بكاملها إلى «بزنس» يستخدم التّراث والآثار لتحويلها إلى مؤسّساتٍ سياحيّة الطّابع. مطاعم الأشرفيّة في عددٍ مهمٍّ منها كانت مبانيَ أثريّةً مثل مطعم «الميّاس» الذي يُقدّم الوجبات الأرمنيّة الأصل. وشارع عبد الوهّاب الإنكليزيّ يضمّ عدداً كبيراً من المطاعم التي تأسّست في مبانٍ أثريّةٍ أبرزها مطعم «عبد الوهّاب» الإنكليزيّ. أمّا في وسط بيروت التّجاريّ الذي تطوّره شركة «سوليدير» وتديره، فقد جرى تحويل المناطق الأثريّة الطّابع إلى مناطقَ سياحيّةٍ بامتياز، مثل خليج مار جرجس الذي أصبح اليوم «زيتونة باي»، بالإضافة إلى محيط ساحة النّجمة حيث تتراصف المطاعم والمقاهي بالقرب من الجامع العمريّ الكبير وجامع «محمّد الأمين» الذي أُعيد بناؤه وتوسيعه، فضلاً عن كاتدرائيّة مار جاورجيوس... كلّ هذه المناطق أُعيد تأهيلها منذ مطلع التّسعينيّات إلى اليوم. أمّا في الجمّيزة، فالمباني الأثريّة استُثمرت كمقاهٍ ومطاعمَ لتكوّن منطقةً معروفةً لمحبّي السّهر في شارعٍ ضيّقٍ لا يزال ساكنوه يعيشون في منازلَ قديمةٍ ذات أسقفٍ مرتفعة. وفي منطقة «مونو» أيضاً دفعت الدّولة ملايين الدّولارات لإعادة تأهيل واجهات المباني الأثريّة والحفاظ على أشكالها الهندسيّة القديمة الطّابع.

تطوّرٌ يشوّه المدن

في صيدا أعاد الشّاب عزّالدّين سمورة ترميم «نزل رومانوس» الذي يعود إنشاؤه إلى أواخر القرن التّاسع عشر، بكلفةٍ إجماليّةٍ بلغت مليوني دولار. سريعاً أصبح الفندق جاهزاً لاستقبال السّيّاح ابتداءً من عام 2006 تحت اسم «فندق القلعة». سمّورة أسّس «غروب سمّورة ـ غاردل» مع شريكته الفرنسيّة الأصل غاردل سيلفي بهدف شراء بيوتٍ قديمةٍ وتراثيّةٍ في أنحاء العالم وترميمها، ثمّ تحويلها إلى مشاريعَ سياحيّةٍ (فنادق أو مطاعم). اليوم أصبح فندق القلعة واحداً من أهمّ أوجه الواجهة البحريّة لمدينة صيدا. ما كان هذا الفندق ليبقى وحيداً لو استمرّ سمّورة بعزمه على شراء مبنًى تراثيٍّ آخر في ساحة باب السّرايا لتحويله إلى فندقٍ سياحيٍّ بعد ترميمه.
ولم تكن طرابلس معفيّةً من هذا الاستثمار أيضاً، فمسرح الإنجا أو «زهرة الفيحاء»، وهو اسم معلمٍ أثريٍّ شُيّد في عام 1885 على أيدي مهندسَين إيطاليّين، شهد أهمّ الأحداث الفنّيّة التي عاشها لبنان الشّماليّ في القرن الماضي حتّى عام 2008 حين بدأت عمليّة هدمه جزئيّاً وأودت بقرميده وسقفه لتبقى قاعة العروض سالمة. الهدف من الهدم أن يحوّل المسرح الأثريّ إلى مركزٍ تجاريّ. بنتيجة الهدم خسرت «زهرة الفيحاء» أجزاءها الدّاخليّة وأصبحت شاهداً مشوّهاً على تطوّر مدينة طرابلس أيّام العثمانيّين، واحتكاك أهل المدينة بالهندسة الغربيّة.

خسارة التراث

هذه القصص تتكرّر في مئات المدن اللّبنانيّة. الآراء منقسمةٌ حول ما يجري من تحويلٍ للمباني التّراثيّة إلى مؤسّساتٍ سياحيّة. ففي رأي المهندسة منى حلاّق، الخبيرة في إعادة ترميم المباني الأثريّة، إنّ «عمليّة التّحويل تحافظ على الهيكل الخارجيّ للعمارة الأثريّة فقط، وهذا مفهومٌ ناقص». فهي ترى أنّ مفهوم التّراث لا يمكن أن يُحصر بالمباني وأشكالها الخارجيّة لأنّ هذه المباني تعبّر عن النّسيج الاجتماعيّ والاقتصاديّ للمنطقة الموجودة فيها، لذا فإنّ مفهوم التّراث يحمل أبعاداً ثقافيّةً وعمرانيّة.
وتعتقد حلاّق أنّ عمليّة التّحويل الجارية على المباني التّراثيّة لتحويلها إلى مؤسّساتٍ سياحيّةٍ «ترتّب خسارةً في التّراث وتغيّراً في النّسيج الاجتماعيّ والاقتصاديّ للمنطقة». وتذهب هذه الخبيرة إلى القول إنّه «يجري تفريغ المباني من النّاس ونشاطها الاجتماعيّ والاقتصاديّ، فلم نعد نرى بائع الصّابون في شوارع الجميزة، ولا النّجّارين الذين كانت تشتهر بهم هذه المنطقة، بل تحوّلت إلى سلسلةٍ من المطاعم والمقاهي من دون أيّ إرثٍ ثقافيّ».
حلاّق تبني موقفها هذا على تعريفٍ مختلفٍ لمفهوم التّراث عمّا هو سائدٌ حاليّاً. في رأيها إنّ «جوهر التّراث يكوّن مفاهيم منطقةٍ ما». وتقدّم مثالاً على هذا الأمر مشيرةً إلى أنّ سوليدير «حافظت على التّراث المعماريّ لكنّها قضت على الرّوح الاجتماعيّة التي كانت تعيش في وسط بيروت، فلم نعد نرى محطّة النّقل العامّ في هذه المنطقة التي لم تعد مكاناً يجمع مختلف الطّبقات الاجتماعيّة، فضلاً عن أن نشاط الأسواق التي كانت سائدةً سابقاً لم يبقَ منه شيءٌ سوى شكل المبنى».

محو ذاكرة المدينة

لكلّ مبنًى أثريٍّ قصّةٌ يمكن أن تختصر حياة السّكّان في وقت إنشائه، التي يجب ألاّ يبدّل التّطوّر شيئاً في طبيعة هذه الحياة، إلاّ أنّ حلاّق ترى في التّحوّلات التي جرت «إسهاماً في التّغيير الدّيمغرافيّ والفرز الذي طال المناطق لمصلحة المال، ما غيّر المدينة ومحى ذاكرتها لتصبح مكاناً خاصّاً بالأثرياء فقط». على هذا الأساس، تضع حلاّق خريطةً للمناطق الأثريّة التي تحوّلت في بيروت. فهناك دائرةٌ تبدأ من وسط بيروت وتمتدّ إلى الجمّيزة وشارع سرسق وصولاً إلى الأشرفيّة وزقاق البلاط ثمّ الحمرا والقنطاري وعين المريسة. «في كلّ هذه المناطق تحوّلت غالبيّة المباني الأثريّة إلى مؤسّساتٍ سياحيّةٍ أو أبراجٍ شاهقةٍ» تقول حلاّق.

المباني القديمة إلى مؤسّسات سياحيّة

في المقابل يرسم الأمين العامّ لاتّحادات النّقابات السّياحيّة جان بيروتي، صورةً مختلفة.
يرى هذا الرّجل أنّ «أفضل وسيلةٍ للحفاظ على المباني الأثريّة وتعميم التّراث والاستفادة منه، هو تحويل هذه المباني إلى مؤسّساتٍ سياحيّة، فهذه هي الطّريقة الوحيدة للحفاظ عليها، وهو ما يعطي العمل في المجال السّياحيّ قيمةً مضافة». ويشير بيروتي إلى أنّه لا يُمكن ترك المباني القديمة من دون أيّ استفادةٍ في الوقت الذي يمكن فيه تحويلها إلى «مسرحٍ أو مطعمٍ أو مقهى أو فندق». ويقارن بين المؤسّسات السّياحيّة في لبنان وتلك في المغرب، على سبيل المثال، حيث أهمّ الفنادق هناك هي تلك التي تحمل تراثاً مغربيّاً كبيراً. أيضاً يجزم بيروتي أنّ الحفاظ على هويّة البلد تكمن في الحفاظ على تراثه، «إلاّ أنّنا في لبنان نعيش صراعاً بين ثقافتَيْن: ثقافة الموت وثقافة الحياة. وهذه الأخيرة لا يمكن أن تتعزّز من دون التّراث، وهو أمرٌ يجب توظيف كلّ الجهود فيه وملاحظته في السّياسات العامّة».
ولا يتوقّف بيروتي عند فنادق المغرب، بل يشير إلى أنّ أحياء الشّام القديمة لم تُبصر النّور إلاّ بعدما حوّلت بيوتها القديمة التّراثيّة الطّابع إلى فنادقَ حيث بات بإمكان السّائح أن يتذوّق تجربة الشّام القديمة والثّقافة السّوريّة. ويضيف أنّ سوريا «وضعت 50 معلماً أثريّاً قيد الاستثمار، لكنْ في لبنان لم نصل إلى هذا المستوى بعد، فقانون الحفاظ على الآثار لا يزال ضائعاً بين الصّراع على الصّلاحيّات، ولم نتمكّن حتّى الآن من أن ندفع لبنان نحو استثمار هذه الأماكن لاستقطاب السّيّاح وتعريفهم بهويّتنا وتاريخنا».

مقالات قد تثير اهتمامك