أهـلاً بموسم الشّتــاء والأمــراض

على مساحاتٍ واسعةٍ في الهواء الطّلق، تتمدّد النّفايات لتُشكلّ جمهوريّةً عائمةً على خطر الأوبئة والأمراض التي تترافق مع هطول الأمطار، الذي بدا كارثيّاً مع الشّتوة الأولى، إذْ تكشّف ما كان متخوّفاً منه لأزمةٍ قاربت الأشهر الثّلاثة وغابت عنها الحلول.

هكذا تبدو بيروت: لوحةً تملأها خطوط ألوانٍ سوداء، تكاد تنبعث منها رائحة العَفن. والحلّ  عصيٌّ على دولتنا، فتبقى النّفايات مرميّةً في الشّوارع تُهدّد صحّة اللّبنانيّين إلى أمدٍ غير معلوم. فمن يُنقذ المدينة وسكّانها؟

لبنان... المطمر

هنا، لا تتناسب قاعدة «اشتدي أزمة تنفرجي»، مع حال النّفايات، بعد أن تحوّل لبنان كلّه إلى مطمرٍ تحت سقفٍ مفتوحٍ، فالمعالجة يجب أن تبدأ اليوم قبل الغد وإلاّ فسوف نكون أمام مشكلةٍ صحّيّةٍ خطيرةٍ تترافق مع تلك البيئيّة. وفي وقتٍ لا يزال المواطنون يغرقون في جبالٍ من النّفايات، تحاول «الحسناء» إلقاء الضّوء على المشكلة بعمق تأثيرها البيئيّ والصّحّيّ مع بدء هطول الأمطار، مع المعنيّين في هذا المجال.

أصلُ الحكاية

في الواقع، تتلخّص أبرز معالم أزمة النّفايات بالمشاكل السّياسيّة التي تطغى على نظام دولةٍ بأكمله، حيث تقسيم الحصص يجعل من المواطن رهينةً لمعاركَ لا تنتهي، وغالباً تأتي على حساب مصلحته. فكيف بدأت أزمة النّفايات؟
بدأت النّفايات بالتّراكم في المدينة بسبب عدم توفّر مكبٍّ تُنقل إليه أكوام النّفايات، بعد إقفال مطمر النّاعمة، من دون الإعلان عن بديلٍ يُمكن الاستعاضة عنه، بالإضافة إلى توقّف شركة «سوكلين» عن سحب الأطنان المكدّسة منها من الشّارع لانتهاء عقد تشغيلها، وعدم توصّل الحكومة إلى إيجاد بدائلَ تتمثّل بالمناقصات التي عُرضت لشركاتٍ أخرى من أجل استكمال الدّور الذي كانت تقوم به «سوكلين»، نظراً إلى فضح مجموعاتٍ من المجتمع المدنيّ التّلاعب في أسعار العروض المقدّمة في المناقصات، ما أدّى إلى عدم الموافقة عليها جرّاء ضغوط الحراك المدنيّ. فلم يجدِ اللبنانيّون حلاًّ أمامهم سوى حرق النّفايات أو الاضطرار إلى رميها في غير أماكنها.
وقبل ما يقارب الشّهرَين، خرج وزير الزّراعة أكرم شهيّب، بخطّةٍ عُدّت الأنسب لإيجاد حلٍّ لنقل النّفايات من الشّوارع، إلاّ أنّ هذه الخطّة تبقى معلّقةً على معلوماتٍ غير مؤكّدةٍ حول المطامر التي يتمّ البحث عنها في البقاع وبعض المناطق الجبليّة، وبخاصّةٍ لعدم توفّر موافقة الجهات المعنيّة وفعاليّات المنطقة على نقل النّفايات إليها. حاليّاً، تدرس لجانٌ خاصّةٌ تلك المواقع، تشمل إضافةً إلى البحث في الاعتراضات، الصّعوبات التي تواجهها في أعمال الإنشاءات. ويأتي ذلك على صعيدٍ متّصلٍ مع إعادة المطالبة بإعطاء ملفّ النّفايات إلى البلديّات، أي الجهة المسؤولة قانوناً عن عمليّات الكنس والجمع والتّدوير والطّمر.

خطّة شهيّب إلى التّنفيذ؟

تبقى الأزمة على حالها، وسطَ تأثيراتٍ صحّيّةٍ سلبيّةٍ ستترتّب على المواطن مع قدوم فصل الأمطار والأوبئة. وللدّخول أكثر في التّفاصيل، كان للـ «الحسناء» لقاءٌ مع رئيسة «حزب الخضر» ندى زعرور. تقول زعرور إنّ المشكلة أخيراً تتمثّل في تحديد مواقع الطّمر، وهنا تدخل السّياسة في التّفاصيل التي تتحكّم بتبعيّة تلك المناطق إلى أحزابٍ سياسيّةٍ معيّنة، ولذلك تتكثّف الاجتماعات بذلك الشّأن للتّوصّل إلى أرضيّةٍ مشتركةٍ ترضي الجميع. وكان «حزب الخضر» قد وافق على الخطّة التي عرضها الوزير أكرم شهيّب، ولكن وفقاً لشروطٍ غير قابلةٍ للتّنازل عنها، في ظلّ استمرار الحكومة في انتهاج سياسة الاستهتار واحتكار الآليّة باتّخاذ القرار. وتتحدّث زعرور عن الخطّة: «تنقسم هذه الخطّة إلى مرحلتَين: انتقاليّة ومستدامة. الأولى ترتبط بالمعالجة وفق خطّةٍ زمنيّةٍ حتّى ستّة أشهر. والحزب لم يكن ليوافق على ذلك من دون اشتراط تطوّر تلك الفترة العمليّة خدمةً للمرحلة المستدامة».

هرميّةٌ بيئيّة: من التّخفيف إلى التّسبيخ

وتتابع زعرور «أثناء مناقشة الخطّة مع المعنيّين، قلنا لهم، إنّه يجب عدم القبول بحلٍّ يؤدّي إلى طمر كلّ النّفايات، ولنبدأ فوراً بالعمل على التّوعية، والتّوجّه نحو ثقافة الفرز من المصدر، والعمل على إعادة التّدوير خدمةً للمرحلة الثّانية. وقد أخذ الوزراء المعنيّون بهذه النّقطة، وتوافقنا على أن تلحظ الخطّة معالجة النّفايات الخطرة مثل البطّاريّات التي لا يمكن طمرها أو إعادة تدويرها». وتمّ أيضاً الاتّفاق على حصر استرداد الطّاقة «وحصرنا ذلك بعمليّة التّسبيخ، لأنّه لا يُمكن بواسطة حرق النّفايات استرداد الطّاقة، بل يكون ذلك فقط بالتّسبيخ».
هنا نشير إلى الهرميّة البيئيّة التي يجب اتّباعها في ملفّ النّفايات، وترتبط أوّلاً بالتّخفيف من تصدير النّفايات، والفرز من المصدر، والتّدوير، وأخيراً استرداد الطّاقة بعمليّة التّسبيخ. وهذا ما قد يوصلنا إلى المرحلة الأبرز التي تتعلّق بخطّةٍ مستدامةٍ لا تعيد توليد الأزمة من جديد. ولا يكون الحلّ إلاّ بإعادة تدوير النّفايات بدلاً من طمرها بأكملها.

حلٌّ مؤقت

وفي ما يختصّ بالارتدادات السّلبيّة للنّفايات مع هطول الأمطار، فتشير زعرور إلى الأمراض الخطيرة التي يمكن أن يُصاب بها الإنسان جرّاء اختلاط المياه الجوفيّة بالمياه الممتزجة بالنّفايات التي مرّ على وجودها في الشّارع أكثر من ثلاثة أشهر. فالأمطار سوف تؤدّي إلى جرف النّفايات تجاه الأراضي الزّراعيّة والأنهار، وهنا يمكن البحث عن حلٍّ مؤقّتٍ يكمُن في توضيب النّفايات في أكياسٍ كبيرةٍ من النّايلون أو البلاستيك العازل للمياه، وهي من أكثر الطّرق المنطقيّة التي يُمكن التّطرّق إليها، في ظلّ غياب البدائل.
فمن النّاحية البيولوجيّة، أصبحت الأكياس منتفخةً والسّوائل التي تخرج منها تتنقل إلى المياه الجوفيّة، وهذا يُسبّب كارثةً على المستوى الصّحّيّ.

الجراثيم من الشّارع إلى البيوت

عن تلك التّأثيرات، يتحدّث طبيب الصّحّة العامّة الدّكتور مصطفى مرعي إلى «الحسناء»، كاشفاً عن الضّرر المباشر الذي يُحدثه اختلاط الأمطار بالنّفايات:

يحسم د. مرعي جدليّة ارتباط سقوط الأمطار بوجود النّفايات المنتشرة في الشّارع، ويقول «عندما تهطل الأمطار، تتحلّل النّفايات، فتصدر عنها موادُّ ليست بالضّرورة سامّة، وإنّما خطرةٌ ومضرّةٌ تجتمع فيها الجراثيم التي تتسرّب إلى الأرض كما الأنهار والمياه الجوفيّة ما يؤدّي إلى تلوّثها».
يُضاف إلى ذلك، أنّه عندما تطأ قدم أحدهم تلك النّفايات بعد أن تشرّبت المياه، وتبقى تلك الموادّ على الأحذية، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى نقل التّلوّث إلى المنازل والمكاتب. ويُشير د. مرعي إلى أنّ البلدان المتقدّمة تعزل النّفايات عن الأراضي الزّراعيّة، كي لا تنتقل الموادّ السّامّة إلى المزروعات.

أضرارٌ مباشرة

يُفنّد د. مرعي الأضرار المباشرة وفق الآتي:

  • دخول الموادّ السّامة إلى الجهاز الهضميّ بطريقةٍ غير مباشرة، ما يؤدّي إلى حالاتِ إسهالٍ وتسمّمٍ وانتقال الجراثيم إلى الأماكن الأكثر تعرّضاً للالتهابات.
  • استنشاق الرّوائح الكريهة يؤثّر مباشرةً في الجهاز التّنفسيّ، ما يؤدّي إلى مشاكلَ كثيرةٍ أثناء التّنفّس.
  • يُمكن أن يؤدّي استمرار وجود النّفايات على الطّرقات وتحلّلها بسبب الأمطار على المدى الطّويل إلى انتشار أمراضٍ كالكوليرا والتّفوئيد، وهي تنتشر غالباً في البلدان غير النّظيفة.
  • حدوث التهاباتٍ مستمرّة، وقد تكون مزمنةً في حال استمرّت الأزمة أشهراً إضافيّة.
  • تعرّض الأطفال لخطر الإصابة بالأمراض السّابقة دون سواهم، نظراً إلى ضعف جهازهم المناعيّ.

ويشير الدكتور مصطفى مرعي إلى ضرورة التميّيز بين الحساسيّة والجرثومة، فالتحسّس لا علاقة له بالجراثيم، ولكنّ ذلك قد ينتشر كثيراً في ظلّ تراكم النفايات على الشوارع، في حال حصل احتكاك معها مباشرةً أو غير مباشرة. أمّا الجراثيم، فإنّ انتشارها أصبح واسعاَ في ظلّ وجود البيئة الحاضنة التي أوجدتها النفايات، ما يؤدّي حتما إلى ظهور عددٍ كبيرٍ من الأمراض، ومنها ما هو جديد على معرفتنا بالأمراض الجرثوميّة، كالكوكساكي، والذي ينتقل بوساطة الجهاز الهضمي.
وفيما يختص بخطر اللّدغ يؤكّد مرعي أنّ الذباب والبعوض سينقل الأمراض بسبب تغذيته المستمرّة من النفايات، وغالبا يكون هذا اللّدغ ساماً، فيؤدي إلى تحسّسٍ في الجلد. والتحسّس بدوره يؤدّي إلى حدوث التهاباتٍ قد ينتج عنها طفرة جلديّة.

إجراءاتٌ وقائيّة
  • الابتعاد قدر الإمكان عن الأماكن التي تنتشر فيها النّفايات بكثافة.
  • وضع كمّامات عند الاقتراب منها.
  • تنظيف الأحذية قبل الدّخول إلى المنازل في حال وطأتِ الأقدام تلك النّفايات.
  • أمّا في ما يختصّ بالزّراعات والمياه الجوفيّة، فيصعب الحديث هنا عن إجراءاتٍ وقائيّة، إذ سيحصل الضّرر بطرقٍ متفاوتة، على الرّغم من تأكيد الدّكتور مرعي أنّ خطر انتشار أمراض الكوليرا والتّفوئيد يبقى بعيداً عنّا حتّى السّاعة.

مقالات قد تثير اهتمامك