حبّك للحياة أقوى من إصابتك بالسّرطان

 لا شكّ في أنّ ذكر اسم "مرض السّرطان" يُسبّب هَلَعاً لدى غالبيّة النّاس، إلاّ أنّ الطّبّ يُصرّ على أنّ المُصاب به يستطيع التّغلّب عليه إذا اتّبع نمط حياةٍ صحّيّاً وحصّن نفسه منه بواسطة الكشف المُبكّر.

ولأنّ المرأة هي العمود الفقريّ لعائلتها، تُخصّص "الحسناء" لها في هذا العدد تحقيقاً شاملاً عن أبرز الأمراض السّرطانيّة التي قد تُصيبها، والخطوات اللاّزمة لمحاربتها والقضاء عليها نهائيّاً.

 إذاً، السّرطان لم يعد ذاك المرض الخبيث الذي يُثير الذّعر في النّفوس بتصوّر استحالة الشّفاء منه، فوفق آخر الدّراسات الطّبّيّة، سمحت التّطوّرات العلاجيّة بشفاء 60% من الأشخاص المُصابين بالسّرطان و85% من الأطفال. وبحسب البروفيسور ناجي الصّغير، أستاذ الطّبّ الدّاخليّ وأمراض الدّم والأورام، ومدير مركز سرطان الثّدي في معهد "نايف باسيل" التّابع لمستشفى الجامعة الأميركيّة في بيروت، أصبحت نسبة الشّفاء من مرض سرطان الثّدي الأكثر شيوعاً بين النّساء، تفوق الـ 90% عند الكشف المُبكّر عنه.

 السّرطان شفاؤه مُمكن

ولفت البروفيسور الصّغير إلى أنّ لائحة الأمراض السّرطانيّة الشّائعة لدى النّساء تطول، وهي تأتي وفق التّرتيب الآتي: بعد سرطان الثّدي، يأتي القولون، فالمستقيم والرّئة، ثمّ العقد اللّيمفاويّة والمبيض، وأخيراً الرّحم وعُنُق الرّحم.
ويُرجع البروفيسور الصّغير أسباب تزايد سرطان الثّدي إلى ما يُسمّى عِلميّاً "التّحوّلات والتّغيّرات الجينيّة" التي تجري داخل أجسام النّساء وتحدث نتيجة تأثير اتّباع أساليب حياتيّةٍ يوميّةٍ وغيرها من العوامل الأخرى مثل تناول اللّحوم بكثرة، وشرب الكحول، والتّدخين... ويشرح ما ذكره وفق الآتي:

  •        من التغيُّرات الجينيّة نذكر العادة الشّهريّة التي صارت تبدأ في السّنّ العاشرة، بعد أن كانت تبدأ بين السنّ الثّالثة عشرة والرّابعة عشرة، ويعود السّبب في ذلك إلى التّعرّض فترةً طويلةً لهورمون الإستروجين الأنثويّ.
  •         ارتفاع سنّ الزّواج عن السّابق، بحيث أصبحت أغلبيّة الفتيات تتزوّج في أواخر العشرينيّات، وهذه أيضاً واحدة من التّغيُّرات التي تُصيب أجسام النّساء، لأنّ المعروف أنّ المرأة التي تحمل وتلد  قبل سنّ العشرين هي أقلّ عرضةً بكثيرٍ للإصابة بسرطان الثّدي من تلك التي تُنجب بعد بلوغها الثّلاثين من العمر.
  •        انخفاض مدّة الرّضاعة الطّبيعيّة التي تلعب دوراً مهمّاً في عدم الإصابة بسرطان الثّديّ. ففي السّابق كانت النّساء يُرضعنَ أطفالهنّ مدّةً تفوق السّنّة، أمّا اليوم فانخفضت هذه المدّة بسبب الحياة العصريّة والمهنيّة.
  •        تأخّر سنّ انقطاع الحيض (أو "سنّ اليأس" أو "سنّ الأمل")، بعد عمر الخمسين، إذ من شأن ذلك أن يجعل النّساء بعد هذا العمر عرضةً للإصابة بالمرض.
  •         تناول حبوب منع الحمل فتراتٍ طويلةً (من 5 إلى 15 سنة) متواصلةً أيْ من دون توقّف، يُعرّض المرأة إلى احتمال إصابتها بالسّرطان بنسبةٍ ضئيلة.
  •       تناول أدوية الهرمونات النّسائيّة البديلة بعد سنّ الخمسين، حيث بيّنت دراسةٌ أميركيّةٌ أنّ هذه الحبوب لا تؤدّي فقط إلى احتمال الإصابة بأمراض القلب والشّرايين بل أيضاً إلى الإصابة بسرطان الثّدي.
  •         تناول الوجبات السّريعة التي تزيد فيها نسبة اللّحوم والشّحوم والدهون الحيوانيّة، والتّقليل من تناول الخضروات والفاكهة، ممّا يزيد من احتمال الإصابة بسرطانات الثّدي والرّحم والقولون.
  •         الإفراط في شرب الكحول يؤدّي إلى احتمال الإصابة بسرطان الثّدي أيضاً.
  •        العوامل العائليّة لها دوره أيضاً، فإذا كان هناك حالاتٌ سرطانيّةٌ مرتفعةٌ في العائلة فإنّ نسبة احتمال الإصابة عند السّيّدة ترتفع إلى الضّعفَين. لكنّ البروفسور الصّغير يُشير إلى أنّ السّيّدة التي يوجد في عائلتها حالاتٌ سرطانيّة، تكون أكثر وعياً من غيرها بحيث تُجري الفحوص الطّبّيّة اللاّزمة والمُبكّرة.
  •        التّاريخ المرضيّ للعائلة أيْ العوامل الوراثيّة التي يُمكن أن تحملها الفتاة مثل الجين BRCA، الذي دوره أن يُصحّح أيّ خطأٍ في الحمض النّووي تجاه السّرطان، لكنّ التّغيّرات في الطّفرات الجينيّة وعدم انتظام هذا الجين نفسه في الجسم يؤدّي إلى عدم تمكُّنه من تصحيح أيّ شيءٍ في الجسم، فيظهر عندها استعدادٌ وراثيٌّ للسّرطان، وهذا ما يؤدّي أحياناً إلى الإصابة بالمرض في عمرٍ مُبكّر.
  •    التّعرّض للإشعاع والتّلوّث الإشّعاعي يؤدّي إلى الإصابة بهذا السّرطان.
 لا داعي لاستئصال الثّدي!

"إنّ الكشف المبكّر عن سرطان الثّدي يُنقذ الحياة ويُنقذ الثّدي" يقول البروفيسور الصّغير، مُضيفاً: "لكنّ المشكلة أنّ نساءنا يخفنَ من مرض السّرطان لأنّهنّ يرون الموت فيه، الأمر الذي يجعلهنّ يتهرّبنَ من إجراء الفحوص. وأنا أقول لهؤلاء: إنّ مرض سرطان الثّدي بخاصّةٍ لا يُخيف أبداً إذا اكتُشف في مرحلةٍ مبكّرة، بل يتمّ الشّفاء منه مثله مثل أيّ مرضٍ آخر، إذْ تُشير إحصائيّات مستشفى الجامعة الأميركيّة إلى وجود نسبة شفاءٍ من سرطان الثّدي تصل إلى 94%". ويُتابع: "حتّى إنّ عمليّة استئصال الثّدي غير واردةٍ إذا اكتشفنا المرض في مراحله الأولى، لذا أشدّد مجدّداً على أهمّيّة الكشف المبكّر وإجراء الفحوص اللاّزمة دائماً من دون إهمال".
ويشرح البروفيسور الصّغير كيفيّة إجراء الفحص الذّاتيّ مرّةً كلّ شهرٍ وذلك بعد بدء العادة الشّهريّة بسبعة أيّام لأنّ الثّدي يكون في هذه الفترة طريّاً. وإذا كانت المرأة تحت سنّ الأربعين فيجب أن تُجري الفحص الدّوريّ عند الطّبيب المختصّ كلّ ثلاث سنوات، أمّا إذا كانت فوق سنّ الأربعين فيتمّ إجراؤه كلّ سنةٍ مرّةً مع ضرورة  التّصوير الإشعاعيّ للثّدي (الماموغرافي - Mammography). وأنوّه أنّ إجراء هذه الصّورة قبل سنّ الأربعين قد يضرّ، لأنّ الفحوص والتّصوير المُفرط يُمكن أن يُؤذيا المريض وبخاصّةٍ إذا لم يتمّا بطريقةٍ صحيحةٍ ووفق نوعيّةٍ طبّيّةٍ عالية الجودة".

 للعلاج أصوله...

وعن طبيعة العلاج، يقول البروفيسور الصّغير: "للأسف، إنّ بعض الأطباء ما إن يكتشف إصابة السّيّدة بسرطان الثّديّ، حتّى يُخضعها فوراً لعملية استئصال الثّدي، وهذا أمرٌ خاطئ. إذْ، يُفترض أوّلاً إجراء فحصٍ نسيجيٍّ وزرعٍ لخزعة كتلة الثّدي المستأصلة لمعرفة مراحل تطوّر المرض ولكي نتأكّد من أنّه لم ينتشر في الجسم، ثمّ نبدأ بعد ذلك العلاج. فإذا كان الورم صغيراً ليس هناك من داعٍ لاستئصال الثّدي البتّة، بل نستأصل فقط نقطة الورم وما حولها، ويتمّ ذلك قطعةً واحدةً من دون اللّجوء إلى تجريح الورم في الجسم. بعد العمليّة الجراحيّة، نُجري علاجاً بالأشعّة وينتهي الموضوع!". ويُشير البروفيسور الصّغير إلى أنّه "في السّابق كان يتمّ استئصال جميع الغدد اللّيمفاويّة الموجودة تحت الإبط، أمّا اليوم فأصبحنا نستأصل فقط العقدة الأولى من هذه الغدد، فإذا كانت سليمةً لا نضطرّ إلى استئصال باقي الغدد والعقد اللّمفاويّة. وإذا كان الورم متطوّراً نُخضع المريضة لعلاجٍ كيميائيٍّ من أجل تصغير الورم، ثمّ قد نجري لها جراحةً جزئيّةً للثّدي. ولكي نتأكّد من عدم عودة إصابتها بالمرض، ندرس خصائصه النّسيجيّة أثناء الزّرع ومتلقّيات الهرمونات ومتلقّيات HER2 في الجسم، فإذا كان إيجابيّاً نعطي المريضة دواءً يُخفّف من احتمالات عودة الإصابة بهذا النّوع من السّرطان ويُزيد في الوقت ذاته من احتمالات الشّفاء منه".

 وللحامل علاجها...  

إنّ إصابة المرأة الحامل بسرطان الثّدي في الثّلث الأوّل من الحمل تُمكّن الطّبيب المُعالج من إجراء عمليّةٍ جراحيّةٍ لها لاستئصال الورم الموجود في الثّدي من دون إخضاعها لعلاج الأشعّة كونه مؤذياً للجنين. أمّا في حال اكتشاف المرض في الثّلث الثّاني أو الثّالث من الحمل، فيُمكن علاجها في هذه المرحلة كيميائيّاً لتصغير الورم، ثمّ يُعمل على توليدها في أقرب وقتٍ مُمكنٍ ومناسبٍ من أجل صحّة الطّفل. بعد ذلك تخضع للجراحة ثمّ تُعالج بالأشعّة. ويُشدّد البروفيسور الصّغير على عدم إهمال المُرضعة الشّابّة صحّتها في حال شعرت بوجود التهابٍ في أحد ثدييها ولم تُشفَ على الرّغم من تناول دواءٍ مضادٍّ للالتهابات، ولا بدّ هنا من استشارة الطّبيب المختصّ - من دون أيّ تأخيرٍ - من أجل إجراء صورة "الماموغرافي، أو تحليل خزعةٍ من الثّدي للتّأكّد من عدم وجود أيّ ورم.

 هل يُمكن الإنجاب والإرضاع بعد الشّفاء؟

"نعم" يقول البروفيسور ناجي موضحاً: "عندما تُشفى المرأة من سرطان الثّدي نسمح لها بالإنجاب بعد 3 سنواتٍ من العلاج إذا كانت نسبة خطورة عودة المرض ضعيفة. في حين أنّنا لا نسمح لها بذلك بتاتاً إذا كانت تتناول دواء الـ "تاموكسيفين" (Tamoxifen). أمّا بالنّسبة إلى الرّضاعة الطّبيعيّة، فهي مُمكنةٌ من الثّدي الثّاني الذي لا يكون قد خضع للعلاج الشّعاعيّ.

 لُقاح سرطان عُنُق الرّحم ضروريٌّ لكلّ فتاة

يُعدّ لُقاح سرطان عُنُق الرّحم الواقي الأساسيّ من فيروس HPV الذي ينتقل بواسطة العلاقة الجنسيّة والمُسبّب الرّئيس لسرطان عُنُق الرّحم. هذا ما أكدّته الطّبيبة النّسائيّة د. نادين حدّاد موضحةً أنّه "يُعطى للإناث ابتداءً من عمر الـ 9 سنوات ولغاية الـ 45 سنة (بحسب آخر الدّراسات)، "عِلماً أنّ بعض الشّركات المصنّعة للقاح تقول إنّه يُعطى لغاية عمر الـ 26 سنة. وكلّما كانت الفتاة أصغر عُمراً كانت النّتيجة أفضل كونه يُقوّي مناعة الجسم".
وتُشير د. حدّاد إلى أنّ هذا اللّقاح يُعطى على ثلاث دفعات، فبعد الجرعة الأولى بشهرٍ أو شهرَين تُعطى الجرعة الثّانية منه، ثمّ تُعطى الجرعة الثّالثة منه بعد ستّة أشهرٍ من الجرعة الأولى. والجدير بالذّكر أنّ ليس لهذا اللّقاح أيّ عوارضَ جانبيّة، باستثناء ارتفاع حرارة الجسم قليلاً في بعض الأحيان.

 الإخلاص والوفاء أفضل من ألف لقاح!

ولأنّ فيروس HPV يحصل نتيجة العلاقات الجنسيّة المتعدّدة غير الآمنة، تنصح د. حدّاد جميع الفتيات من دون تمييز، أن تُطعّمنَ بهذا اللّقاح لحمايتهنّ من عدوى HPV التي من الممكن أن تؤدّي إلى سرطان عُنُق الرّحم، وبخاصّةٍ لأنّ "أسلوبَي التّربية والتّفكير اختلفا عن الماضي، بالإضافة إلى أنّ شباب اليوم لا يُعيرون أهميّةً كبيرةً لاستخدام الواقي الذّكريّ أثناء العلاقة الجنسيّة". وتوضح د. حدّاد أنّه "إذا تزوّجت فتاةٌ عذراء بشابٍّ لم يُقم أيّ علاقةٍ جنسيّةٍ قبل الزّواج، وتعاهدا أن يبقيا مُخلصَين لبعضهما مدى الحياة، وصَدَقا في ذلك، فلا حاجة أبداً إلى إعطائها لُقاح سرطان عُنُق الرّحم. لكن إذا تمّت الخيانة مرّةً واحدة، فهناك احتمالٌ لانتقال عدوى فيروس HPV، عندها هناك احتمال الإصابة بهذا النّوع من السّرطان، ولذلك الوقاية مهمّةٌ جدّاً هنا".

 المراهقات في مواجهة السّرطان

إنّ أسباب إصابة المراهقات بمرض السّرطان هي للأسف غير معروفةٍ حتّى اليوم، إلاّ أنّ علاجهنّ وحمايتهنّ من العوارض الجانبيّة في المستقبل مُمكنة، وحتّى إنّ نسبة شفائهنّ مرتفعةٌ جدّاً، بحسب د. سمر مؤقت، المتخصّصة في أمراض الدّم والأورام السّرطانيّة في مركز "سانت جود" لسرطان الأطفال في الجامعة الأميركيّة.

ومن الأمراض السّرطانيّة التي تُصيب المراهقين، وفق د. مؤقت، اللّوكيميا (سرطان الدّم) الذي يُصيب أيضاً الأطفال، والأورام الجامدة مثل ورمٍ في العضل أو ورمٍ في العظام. أمّا سرطان الرّحم أو سرطان الثّدي فلا يُصيب إطلاقاً المراهقات، وإنْ صادف وحصل فإنّ نسبتهما هي 0.00001، أيْ لا شيء يُذكر.

وعن نسبة الشّفاء من الأمراض السّرطانيّة المذكورة آنفاً، فتفوق الـ 80% عند المصابين باللّوكيميا، والـ 75% عند المُصابين بأحد الأورام الجامدة. وتُشدّد د. مؤقت على أهمّيّة الكشف المُبكّر لأنّه يُساعد كثيراً في الشّفاء التّامّ، "ولذلك من المهمّ جدّاً توجُّه المراهقات فوراً إلى الطّبيب المختصّ عند ملاحظتهنّ أيّ ورمٍ (كتلة صلبة أو رخوة أو غدد لمفاوية) في اليد أو الرّجل أو البطن".

وتشير د. مؤقت إلى أنّ عوارض اللّوكيميا تكون إمّا حرارةً دائمة الارتفاع، أو بُقعاً زرقاء على الجسم وانقطاع الشّهيّة مدّةً طويلة، أو أيّ عارضٍ آخر خارجٍ عن الطّبيعة ويستمرّ فتراتٍ طويلةً مثل شللٍ من جهةٍ واحدةٍ أو بداية حَوَلٍ في العينَين.

 زواجٌ وإنجاب...

وتؤكّد د. سمر أنّ الفتاة المراهقة التي شُفيت من اللّوكيميا يُمكنها أن تتزوّج وتُنجب الأطفال بعد أن تكون قد تمّت متابعتها مدّة خمس سنواتٍ بعد الشّفاء، وأنّه لن يكون هناك أيّ عوارضَ جانبيّةٍ تخاف منها.

أمّا بالنّسبة إلى الأطفال والمراهقين الذّكور، فتوضح د. مؤقّت أنّ أيّ مريضٍ منهم يدخل اليوم إلى مركز سرطان الأطفال في لبنان تؤخذ نطفةٌ (حيوان منويّ) منه ويتمّ حفظها في بنوكٍ خاصّةٍ حتّى يستخدمها لاحقاً من أجل الإنجاب، في حال أثّر العلاج سلبيّاً في خصوبته. وتكشف أنّه يتمّ العمل الآن في المركز نفسه لتطبيق الأمر نفسه على الفتيات الصّغيرات المُصابات بالسّرطان، بحيث تؤخذ منهنّ بويضةٌ ويتمّ حفظها لهنّ لاستخدامها مستقبلاً في حال الحاجة إليها. 

مقالات قد تثير اهتمامك