في عصرنا المتفجّر أصواتاً «نيَّال الأطرش»

"نيال الأطرش"، كم من مرة نقولها باللبنانية العامية، ونحن نسقط بالضربة القاضية تحت وطأة أعيرة من الضجيج الذي لا يرحم؟! التلوث "الصوتي" لم يعد حكاية تروى في الصالونات أو في محافل الدول التي ليست هموم أخرى في بالها أو أجندتها، بل أصبح هاجساً كبيراً في عصر شديد الصخب، بكل مجالاته.

والمشكلة أن الضجيج أو الموجات الصوتية المؤذية التي تنتقل إلينا عبر موجات الهواء، ليست لنا، في غالب الأحيان، قدرة على تجنبها أو التصدّي لها.

والنتيجة، آثار نفسية وعضوية مؤذية وخطيرة، لا تخطر على بال أو سمع.

يعيش جميعنا، خصوصاً سكان المدن الكبرى، في خضم قرقعة فظيعة، ناتجة عن أصوات مئات آلاف السيارات ووسائل النقل الأخرى أولاً، مروراً بالضجيج الناتج عن آلات المصانع والورش المعمارية، والورش الميكانيكية، وصولاً إلى مولدات الكهرباء وإلى موتورات ضخ المياه، التي لا تتوقف عن "العزف" ليل نهار. وعلينا أن نضيف إلى ما سبق، الضجيج المتأتي من آلات الحفر وأعمال البناء، و"السمفونيات" القاتلة التي "تعزفها" أبواق في الشوارع في كل وقت ومكان، فلا ترحم أعصاب السائقين أنفسهم!

في المنازل، لا تبدو مشكلة التلوّث الصوتي أخفّ وطأة، وإن تهيأ لنا أننا داخل بيوتنا وغرفنا آمنون من هذا الخطر. فأصوات الثلاجات، هدير الماء الذي تضخه المضخات الكهربائية إلى الطبقات العليا، هدير المولدات الكهربائية الخاصة، صفق أبواب الغرف والشقق، وقع الأقدام على الأدراج (حتى في عز نوم الجيران!)، رفع صوت الموسيقى أو برامج التلفزيون إلى أعلى درجات "التوتر العالي"، التخاطب بأعلى "ديسيبيل" (وحدة قياس الصوت)، من غرفة إلى غرفة، "وكأننا نطرح الصوت" من جبل إلى آخر! الخ.

 والخلاصة أن النجاة من الضوضاء المدمّرة الصحة النفسية، وأحياناً الجسدية، ليست بالسهولة التي نظن في عصرنا المتفجّر أصواتاً... إلا بالانعزال والتنسك في الأدغال، بعيداً من كل أثر بشري، فهل هذا ممكن فعلاً؟!

 

الضجيج طبياً

 يقول العِلم: إن ليس من وسيلة دقيقة لتحديد نوع العلاقة بين شدة الصوت من جهة، والآثار التي يُخلفها في جسم الإنسان من جهة ثانية، خصوصاً أن تلك العلاقة تختلف من شخص إلى آخر، وتعتمد على عدة عوامل منها، نوع الضجيج وشدته، مدة التعرّض له, لكن الأطباء يجزمون أن الضجيج يُحدث على المدى الطويل طنيناً قوياً في الأذن فيتحول إلى ألم، خصوصاً في القوقعة. ويؤكد الأطباء أن الضجيج المتواصل يؤدي أيضاً إلى حدوث انقباضات وتقلصات في الأوعية الدموية، وبالتالي إلى شحوب في البشرة، وارتفاع في ضغط الدم، عن طريق إثارة مركز انقباض الأوعية الدموية في المخ.

ولاحظ المختصون مراراً حدوث تغيرات فيزيولوجية في جسم الإنسان، ناجمة عن ارتفاع مستويات الضجيج منها: زيادة ضربات القلب، وارتفاع معدل التنفس، وتصبب العرق، وتقلص العضلات. وهذه تغيرات تحدث عندما يكون الضجيج مفاجئاً، وإن كان في زمن محدد، وليس بالضرورة مستمراً. 

ويؤثر الضجيج أيضاً في الجهاز العصبي، لأن الموجات الصوتية تندفع على شكل إشارات كهربائية، والنتيجة حالات صداع وعدم قدرة على التركيز، وحالات من الانفعالات العصبية الزائدة، التي قد تضعف من كفاءة العاملين وذكائهم وإنتاجيتهم.

في فرنسا لاحظ المسؤولون عن إحدى المدارس أن معدل الأخطاء الإملائية ارتفع عند الطلاب في خلال المدة التي كانت فيها النوافذ التي ُتطل على الطريق السريع، مفتوحة أثناء الدروس، واكتشفوا أن معدل الأخطاء تراجع بعد إقفال النوافذ. وفي بريطانيا وجد المشرفون على أحد مصانع النسيج  أن معدل الإنتاج زاد بنسبة 12 في المئة بعد استعمال الموظفين سدادات لآذانهم.

فمن يحمي أسماع الناس من أخطار كبيرة تتسلل بصمت وبطء إلى حياتهم وصحتهم؟

مقالات قد تثير اهتمامك