إضّطراب التوحّد: متى يكتشف؟ وهل من علاج له؟

في شهر نيسان/ أبريل وبالتحديد في الثاني منه، أقرّ يوماً عالميّاً للتوحّد، بحيث تتوحّد الجهود لإلقاء الضوء على هذا الإضطراب الذي ما يزال الاختصاصيّين يسعون إلى إيجاد العلاج الطبيّ والتربويّ والتأهيليّ له.

فما هو هذا الاضّطراب؟ وما هي أسبابه وعوارضه وكيفيّة تشخيصه؟

إنّ كلمة توحّد مُترجمة عن اليونانيّة وتعني العزلة أو الإنعزال. وكانت الجمعيّة الأميركيّة للطبّ النفسيّ قدمت تعريفًا من حيث المعايير في التشخيص، وَرَدَ في الدليل التشخيصي والإحصائي للإضّطرابات العقليّة DSM-V))، الطبعة الخامسة الصادر في حزيران 2013، وهو: قصورٌ نوعيّ في التفاعل الإجتماعيّ، وقصورٌ نوعيّ في التواصل واللّغة، والسّلوكيات النمطيّة وممارسة الأنشطة والإهتمامات المحدودة.

وقد أدرج الدليل التشخيصيّ والإحصائي للإضّطرابات العقليّة، التوحّد تحت باب إضّطرابات التطوّر العصبيّ وهو يظهر قبل عمر الثلاث سنوات ويتمثّل بعدم تطوّر اللّغة، وبخللٍ في التواصل الكلاميّ وغير الكلاميّ وحركاتٍ متكرّرة وتصرّفاتٍ محدودة، وعدم القدرة في الإنخراط بالمجتمع. أمّا البنات اللّواتي يُصبنَ بالتوحّد هنّ أكثر عرضةً لوجود تخلّفٍ عقليٍّ شديد.

نظريّات عن أسباب المرض

كيف يتمّ تشخيص إضّطراب التوحّد؟

لا توجد اختبارات طبيّة لتشخيص حالات التوحّد. التشخيص الدقيق الوحيد يعتمد على الملاحظة المباشرة لسلوك الفرد وعلاقاته بالآخرين ومعدّلات نموّه. وغالبًا نرى الأمّ قادرة على تحديد وجود مشكلةٍ في التواصل لدى طفلها منذ الشهور الأولى من عمره.

ما هي أسباب إضّطراب التوحد؟

لا نستطيع القول إنّه مرضٌ وراثيٌّ لأنّه أيضاً يرتبط بالعامل البيئيّ، فقد يكون الطفل حاملاً للجين المسبّب للمرض ثمّ يتعرّض أوّلاً لبيئةٍ تُسبّب ظهور أعراض المرض، كذلك يرتبط التوحّد بعددٍ من الجينات وليس جيناً واحداً. هذه بعض النظريات التي توصلت إليها الأبحاث عن أسباب مرض التوحد:

-         لوحظ أنّ معظم الأطفال الذين يعانون من التوحد يعانون من حساسيّةٍ من مادّة الكازين (وهي موجودة في الّلبن وحليب الأبقار والماعز) ومادّة الغلوتين وهي مادة بروتينيّة موجودة في القمح والشعير والشوفان.

-         عندما يأخذ الطفل المضادّ الحيويّ فإنّ ذلك يؤدّي إلى القضاء على البكتيريا الضارّة والنافعة في الوقت نفسه، وإلى تكاثر الفطريات التي تقوم بدورها في إفراز المواد الكيميائيّة.

-          وُجد أنّ الأطفال المصابون بالتوحّد يُعانون من اضّطراباتٍ في جهاز المناعة مقارنةً بالأطفال الآخرين، وأنّ لقاحات الحصبة والحصبة الألمانيّة والنكاف (أبو كعب)، تزيد من الخلل. وقد أثبت بعض دراسات المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركيّة أنّ هناك علاقة بين حدوث التوحّد وهذه اللّقاحات.

-          عند حساب كمية الزئبق التي تصل للطفل عن طريق إعطائه اللّقاحات، وُجد أنّها أعلى بكثير من النسبة المسموح بها حسب لوائح منظّمة الأغذية العالميّة والأدوية الأميركيّة. هذه النسبة هي سامّة وضارّة بصحّة الطفل، وقد تكون من الأسباب التي تؤدّي إلى التوحّد.

 

دلائل غير ملتبسة

 ما هي دلائل وجود حالة إضّطراب التوحّد؟

الدليل التشخيصيّ والإحصائيّ للأمراض العقليّة في طبعته الخامسة، عرض محكّات تشخيص إضّطراب التوحّد، وجاءت كالآتي:

المحكّ الأوّل: ظهور ستّة أعراض على الأقلّ، أو أكثر من المجموعات الأولى والثانية والثالثة، شرط أن يكون فيها اثنتان من أعراض المجموعة الأولى بالإضافة إلى عارضٍ واحدٍ على الأقلّ من كلٍّ من المجموعتيْن الثانية والثالثة.

 المجموعة الأولى :
قصورٌ أو خللٌ نوعيٌّ في قدرات التفاعل الإجتماعيّ من خلال اثنتين على الأقلّ من الأعراض التالية:
 - قصورٌ واضحٌ في استعمال صور متعدّدة من التواصل غير اللّفظيّ مثل تلاقي العيون أو تعابير الوجه أو حركات الجسم وأوضاعه في المواقف الاجتماعيّة والاتّصال مع الآخرين .
 - الفشل في تكوين علاقات مع قرانٍ من العمر نفسه.
- قصورٌ في القدرة على المشاركة العفويّة مع الآخرين في الأنشطة الترفيهيّة أو الهوايات أو إنجاز أعمال مشتركة.
- غياب المشاركة الوجدانيّة أو الانفعاليّة أو التعبير عن المشاعر مع الآخرين.

المجموعة الثانية:
 قصورٌ كيفيٌّ في القدرة على التواصل اللّفظيّ وغير اللّفظي كما يظهر من الأعراض التالية:

-         تأخيرٌ أو غيابٌ تامٌّ في نموّ القدرة على التواصل بالكلام (التخاطب) وحده (بدون مبادرة أو مساندة أيّ نوع من أنواع التواصل غير اللفظي للتعويض عن قصور اللّغة).
- بالنسبة إلى الأطفال القادرين على التخاطب، يوجد قصورٌ في القدرة على المبادرة بالحديث مع الشخص الآخر وعلى مواصلة هذا الحديث .
- التكرار والنمطيّة في استعمال اللّغة، واستعمال مفردات غير مفهومة أو مقبولة .
- غياب القدرة على المشاركة في اللّعب التخيّلي أو الإيهاميّ والتقليد الاجتماعيّ الذي يتناسب مع العمر ومرحلة النموّ. 

المجموعة الثالثة :
اقتصار أنشطة الطفل على عددٍ محدودٍ من السّلوكيات النمطيّة كما تكشف عنها الأعراض (واحد على الأقلّ من الأعراض) التالية :
- استغراقٌ أو اندماجٌ كليٌّ في واحدٍ أو أكثر من الأنشطة أو الاهتمامات النمطية الشاذّة من حيث طبيعتها أو شدّتها .
-  الجمود وعدم المرونة الواضح في الالتزام والالتصاق بسلوكيّاتٍ وأنشطةٍ روتينية أو طقوسٍ لا جدوى منها .
- حركات نمطيّة تمارس بتكرار وهي غير هادفة، مثل طقطقة الأصابع أو ثني الجذع إلى الأمام والخلف أو حركة الأذرع أو الأيدي .
- انشغالٌ طويل المدى بأجزاء أو أدوات أو أجسام مع استمرار اللّعب بها مدّة طويلة .

دلائل ظاهرة

كيف يُمكن علاج إضّطراب التوحّد؟

 لا يوجد علاجٌ طبيٌّ لإضّطراب التوحّد. في بعض الحالات، نجد أنّ المُصاب بهذا الإضّطراب يُعاني من حساسيّةٍ من أطعمةٍ معيّنة، ما يتطلّب غذاءً خاصّاً. أمّا العلاج التربويّ السّلوكيّ فهو ضروريّ في حالة وجود طفل يعاني من التوحّد، وهذا يتضمّن التدخّل المُبكر والتأهيل بواسطة الاختصاصيّين، وذلك بدءاً من التشخيص الطبيّ والأكاديميّ الصحيح ويُجريه أطباء واختصاصيّين في التقييم النفسيّ – التربويّ، مرورًا باختصاصيّي تقويم النطق واللّغة ومعالجي النفس الحركيّ، وصولاً إلى المربين التقويميّين للعمل الفرديّ أو الجماعيّ مع الطفل. وبمعظم الحالات يطلب مساندة العلاج النفسيّ للأهل وللطفل حسب حالته.

هل يمكننا القول إنّ الذين يُعانون من إضّطراب التوحّد لا يستطيعون أن يصبحوا أعضاءً فاعلين وعاملين في المجتمع؟

كلا، لأنّنا لا نستطيع التنبّؤ بمدى تطوّرهم، ولهذا نطلب التدخل المُبكر للوصول إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه. ومثالاً، هناك العديد من المُبدعين في مجالاتٍ عدّة يعانون من التوحد واستطاعوا أن يصبحوا أعضاءً فعّالين وعاملين في مجتمعاتهم كالكاتب الالماني Birger Sellin ، وهو أوّل كاتب ألمانيّ يُعاني من التوحّد، وكان أوّل كتاب له تحت عنوان «لا أريد أن أبقى في داخل جسدي بعد الآن، رسائل من عقلٍ يُعاني من التوحّد» وقد تُرجم إلى العديد من اللغات. وSatoshi Tajiri الياباني الذي اخترع وصمّم شخصيّة بوكيمون الكرتونيّة. 

مقالات قد تثير اهتمامك