كيف تواجهان الضغط النفسـي قبــل الــزواج؟

الزّواج الذي "يُدشّن" عادةً في حفل الزّفاف، يُعدّ من أهمّ الأحداث في حياة الشّريكَين. فهو ليس فقط احتفالاً مميّزاً، بل تتويجٌ لمسيرة علاقةٍ وانطلاقةٍ نوعيّةٍ لحياةٍ مشتركةٍ بكلّ أبعادها. لكنْ على الرّغم من أنّ هذا الحدث الكبير هو إيجابيٌّ بطبيعته لما يختزنه من مشاعرَ وأحلامٍ وانتظارات، إلاّ أنّه يمرّ غالباً بمحنة ما قبل الزّفاف. هذه المحنة تُترجم بما يُسمّى الضّغط النّفسيّ قبل الزّواج. فما هي عوارض هذا الضّغط وأسبابه، وكيف يُمكن التّعامل معها من أجل تخفيف آثارها السّلبيّة في العلاقة؟

إنّ الضّغط النّفسيّ قبل الزّفاف هو حالةٌ تمرّ بها أغلبيّة الأزواج، وتطال الرّجال والنّساء على حدٍّ سواء. وتتمثّل هذه العوارض في مشاعر القلق والتّوتّر المترافقَين مع طرح أسئلةٍ كثيرةٍ عن مدى الاستعداد للارتباط وكلّ التّحدّيات التي ترافق هذا القرار.

عوارضُ طبيعيّة وأسبابٌ لها سلبيّاتها

قلّة نومٍ مع أحلامٍ مُزعجة، عدم الشّعور بالشّهيّة للأكل مترافقة أحياناً مع أوجاعٍ في المعدة، صعوبةٌ في التّركيز وتقلّبٌ في المزاج يُترجمان بمشاحناتٍ مع الشّريك والمحيط في أمورٍ تكون غالباً سطحيّة. كلّ هذه العوارض أو بعضها تبدأ قبل أشهرٍ من الزّواج وبخاصّةٍ عندما يقرّر الشّريكان موعد الزّفاف ويبدآن التّحضير له.

هذه العوارض ليست مؤشّراً سلبيّاً بأنّ العلاقة مهدّدةٌ أو غير ناضجة، بل هي حالةٌ طبيعيّةٌ يمرّ بها الشّريكان أمام استحقاقٍ كبيرٍ يولّد الكثير من المشاعر المتناقضة في أغلب الأحيان لِما يختزنه من تطلّعاتٍ ومخاوفَ في الوقت نفسه.

تدخّل الأهل في اتّخاذ القرارات المتعلّقة بالزّفاف يؤثّر سلباً في العلاقة بين الشّريكَين

ومن أبرز أسباب الشّعور بالضّغط النّفسيّ:

  1. التّوقّعات العالية التي يضعها الشّريكان في ما يخصّ حفل الزّفاف. فهذا الحدث يستحوذ على كلّ التّفكير ويستهلك طاقةً كبيرةً بخاصّةٍ أنّ معظم الأزواج يطمحون إلى إقامة عرسٍ كاملٍ من كلّ النّواحي.
    وبقدر ما ترتفع التّوقّعات في ما يخصّ هذا الحدث بقدر ما يزيد منسوب الضّغط الذي يطال كلّ التّفاصيل المتعلّقة بأخذ القرارات المناسبة والاتّفاق على تنظيم الأمور المرتبطة بالزّفاف كافّةً. ما يزيد الأمور تعقيداً هو أنّ الّزفاف في لبنان والمنطقة العربيّة غالباً ما يكون حجمه كبيراً من حيث عدد المدعوّين وما يتطلّبه ذلك من تحضيراتٍ وكلفةٍ تتخطّى مقدرة بعض الأزواج الذين ينصاعون لضغط الأهل والمجتمع، ما ينعكس سلبيّاً عليهم من النّاحية المادّيّة بعد انتهاء الزّفاف.

  2. تدخّل الأهل في اتّخاذ القرارات المتعلّقة بالزّفاف الذي يتعدّى أحياناً المشورة ليصل إلى حدّ الفرض فيؤثّر سلباً في العلاقة بين الشّريكَين.
    وما يزيد الأمور تعقيداً أيضاً هو الأزواج الذين لديهم حالة طلاقٍ عند الأهل أو خلافاتٌ معيّنةٌ يجب إدارتها قبل الزّواج من أجل التّوصّل إلى اتّفاقاتٍ مع الأهل لتفادي إحراجاتٍ معيّنة.
  3. نوع التّفاهمات حول القِيم الأساسيّة التي توصّل إليها الشّريكان في حياتهما الزّوجيّة من حيث تنظيم العلاقة مع الأهل، وتربية الأولاد، وإدارة الأموال، والعلاقة الجنسيّة، وتوزيع الأدوار، والتّوازن بين المساحة الشّخصيّة والمشتركة في العلاقة وما إلى هنالك من مواضيعَ قد تكون مصدر قلقٍ إذا لم يتمّ التّطرّق إليها تطرّقاً كافياً للتّوصّل إلى رؤيا مشتركةٍ حولها.
حالاتٌ بحاجةٍ إلى المراجعة

كما قلنا سابقاً، إنّ هذا النّوع من الضّغط النّفسيّ المُرتبط بالتّحضيرات ليوم الزّفاف ومفاعيله هو شعورٌ طبيعيّ، ولكن يجب تمييز هذا الشّعور عن الحالة التي تمسّ العلاقة بحدّ ذاتها إذا كانت المقوّمات الأساسيّة غير متوفّرةٍ فيها، منها: الثّقة بالآخر والشّعور بالأمان معه، الاحترام المتبادل وعدم وجود مؤشّراتٍ للعُنف أو السّيطرة، التّأكّد من الشّعور بالانجذاب العاطفيّ والجنسيّ تجاه الشّريك كي لا تتحوّل العلاقة إلى عادةٍ فقط من دون أيّ مضمونٍ عاطفيّ. في هذه الحالات يجب القيام بمراجعةٍ جدّيّةٍ وعميقةٍ للعلاقة من أجل تصحيح الخلل الموجود أو إنهاء العلاقة قبل الشّعور بالنّدم.

الاتّفاق على زفاف يعكس رغبات الطّرفين

وسائل تخفيفيّة

من المبالغة الاعتقاد أنّه يُمكن التّخلّص من الضّغط النّفسيّ قبل الزّواج، ولكن من المؤكّد أنّه يُمكن التّخفيف من آثاره باعتماد الوسائل التّالية:

  • التّواصل مع الشّريك منذ البداية كي يتمّ الاتّفاق على زفافٍ يعكس رغبات الطّرفين من حيث حجمه وتكلفته والمساهمة المادّيّة لكلّ طرف، وتوزيع الأدوار وتقسيم المهمّات واللّجوء إلى الأصدقاء والأهل للمساعدة. ويُمكن أيضاً الاستعانة بمتخصّصٍ بتنظيم الأعراس مع الانتباه أنّه قادرٌ على ترجمة ما يريدونه بدل رفع التّوقّعات فقط لأسبابٍ تجاريّة.
  • يجب القبول بأنّ العرس لا يُمكن أن يكون كاملاً. لذلك من أجل تخفيف الضّغط، لا بدّ من بلورة توقّعاتٍ واقعيّةٍ يتمّ الاتّفاق على تطبيقها والعمل عليها ضمن استراتيجيّةٍ واضحة، وإدارةٍ للوقت فعّالةٍ بحيث لا يصلان إلى الزّفاف منهكَين. من هنا أهميّة العمل كفريقٍ واحدٍ والتّنسيق الدّائم معاً. لا بدّ أيضاً من مشاركة الآخر مشاعر القلق التي يُمكن أن يمرّ بها كي لا يبقى رهيناً لها، وتقديم الدّعم اللاّزم كي لا يشعر أنّه وحده في مواجهة كلّ التّحدّيات.
  • لا بدّ من المحافظة على علاقاتٍ ونشاطاتٍ اجتماعيّةٍ خارج إطار التّحضير للزّفاف، كي لا يكون كلّ التّركيز والجهد منصبّاً على هذا الحدث إلى درجة الهوس. من المُستحسن أيضاً ممارسة الرّياضة والتّركيز على الأكل الصّحّيّ والحفاظ على معدّلٍ كافٍ من النّوم ممّا يُساعد على مواجهة الضّغوط بإيجابيّةٍ أكبر.
    إنّ التّحضير للزّواج هو امتحانٌ مهمٌّ لقدرة الشّريكَين على العمل كفريقٍ واحدٍ قادرٍ على بناء رؤيا مشتركةٍ وإنجاز مهمّةٍ ليست سهلةً مع أقلّ قدرٍ ممكنٍ من الضّغوط النّفسيّة والكثير من الفرح والإثارة للقول معاً بكلّ ثقة: «نعم مدى الحياة».

لا بدّ من مشاركة الآخر مشاعر القلق

استشارة القـــرّاء

تزوّجت منذ ثلاثة أشهر، المشكلة أنّني بعد شهر العسل بدأت أشعر بفراغٍ وحزنٍ كبيرَين بالرّغم من أنّ زوجي يُحبّني وأنا أحبّه أيضاً، ولم يتغيّر شيءٌ في العلاقة. نحن تزوّجنا وكنّا نحبّ بعضنا بعضاً وأقمنا عرساً جميلاً جدّاً. هل طبيعيٌّ ما أشعر به؟

ما تشعرين به هو على الأرجح اكتئاب ما بعد الزّواج الذي يُصيب عادةً واحدةً على عشر نساءٍ وقد يمتدّ من أسبوعٍ إلى أشهرٍ عدّة. هو شعورٌ يأتي عادةً بعد مدّة استثمارٍ كبيرةٍ في التّحضير للزّفاف حيث كانت كلّ الطّاقة منصبّةً على التّحضير لليوم الكبير وكلّ الأنظار شاخصة عليكما. وإذ بعد هذا الحدث تنطلقان في حياةٍ جديدةٍ مشتركةٍ وحدكما. لذلك من المهمّ معرفة أنّ الزّفاف ليس هدفاً بحدّ ذاته أو نقطة وصولٍ بقدر ما هو انطلاقة لحياةٍ مشتركةٍ يجب الاستثمار فيها أيضاً من أجل تصميمها كما ترغبان. لذا، لا بدّ من إعادة الانتباه للعلاقة اليوم وكيفيّة صيانتها، نحو المحافظة على العلاقات الاجتماعيّة مع الأصدقاء بخاصّة، والقيام أيضاً بنشاطاتٍ مشتركةٍ معاً تُعطي دفعاً للعلاقة، والعمل على صياغة أهدافٍ جديدةٍ شخصيّةٍ ومهنيّةٍ ووضع خطّةٍ لتنفيذها. يُمكنك أيضاً أن تنضمّي إلى مجموعاتٍ من النّساء الذين يواجهنَ حالتك نفسها على الانترنت لمشاركة الخبرات والدّعم المشترك. لا بدّ أيضاً أن يعلم زوجك ما تمرّين به وأن يفهم.

مقالات قد تثير اهتمامك