هي: لم أعد أتحمّله!!

هي: لم أعد أتحمّله. أبسط الأمور تُثير غضبه. يرفض أن يُراجع ذاته ويلقي الملامة دائماً على الآخرين. لا يفعل شيئاً داخل المنزل. يقول لي إنّه يثق بتربيتي للأولاد، ولكنّني أشعر أنّه يقول ذلك كي لا يقوم بمسؤوليّته تجاههم. لقد طلبتُ منه عدّة مرّاتٍ أن يقوم ببعض المجهود كي يتغيّر ولكنّه لم يستجب. نحن لا نخرج سويّاً إلاّ نادراً. لم يعد يقول لي: أحبّكِ.

هو: مهما فعلت هي غير راضية. تريدني أن أكون حاضراً لكلّ شيءٍ وفي كلّ الأوقات. تتّهمني بأنّني لا أهتمّ بمشاكلها، ولكنْ في أغلب الأحيان لا أعرف ما الذي يجب عليّ أن أقوله لها. لم نعد نُمارس الحبّ. تطلب منّي أنْ نمضيَ "ويك أند" رومانسيّاً معاً خارج المنزل، ولكنّها لا تعي أنّ الأموال لا تهبط من السّماء. أضف إلى ذلك أنّها تشتكي دائماً من أمّي وتريد أن نقلّل من عدد زيارات أهلي في الـ "ويك أند".

هي وهو يُشكّلان عيّنةً من آلاف الأزواج الذين يقصدون العيادات النّفسيّة لأنّ حياتهم الزّوجيّة لم تعد تُطاق، آملين أن تُرمّم علاقتهم قدر المستطاع. ولكنّ الأسئلة التي تطرح ذاتها باستمرار: ما الذي أوصل العلاقة إلى ما هي عليه من شكاوَى متبادلةٍ وشعورٍ بعدم الرّضا؟ أين ذهبت شُعلة الحبّ التي كانت تجمعهما في البداية؟ وهل هذا التّموضع السّلبيّ هو مصيرٌ حتميٌّ لكلّ علاقة، أم أنّ الحبّ يُمكن أن يدوم في العلاقة بالرّغم من كلّ التّحدّيات الدّاخليّة والخارجيّة التي تواجهه؟للإجابة عن هذه الأسئلة لا بدّ مِن فهم المراحل التي تمرّ بها العلاقة والتي تتمحور حول ثلاث ديناميكيّاتٍ علائقيّةٍ لكلّ واحدةٍ منها خصائصُ معيّنةٌ تبدأ بالانصهار وتمرّ بإعادة التّموضع على أمل أن تعي في النّهاية أنّنا في العلاقةِ نُصبح ثلاثة، أيْ أنا وأنت ونحن.

1- عندما يصبحان واحدا

  • الوقوع في الحبّ

مرحلة الانصهار هي عندما يصبح الرّجل والمرأة شخصاً واحداً. إنّها مرحلة "الوقوع في الحبّ"، حيث الإعجاب والانجذاب المتبادل يطغيان على كلّ النّواحي الأخرى في العلاقة. إنّها المرحلة التي ينصهر فيها "أنا وأنت" في "نحن"، أيْ عندما يتوهّم الشّريكان أنّهما أصبحا شخصاً واحداً ممّا يُترجَم في الاستعمال المكثّف لـ نحن: نحن دائماً متّفقون، نحن نحبّ الموسيقى الغربيّة نفسها، نحن لدينا الأحلام نفسها... إلخ. إنّها المرحلة التي تختلط فيها رغبات "الواحد" ومشاعره مع الآخر، وكلّ واحدٍ يسعى إلى التّماهي شِبه الكليّ مع حاجات الآخر في سبيل إرضائه، بحيث يشعر كلّ واحدٍ أنّه يعيش فقط من أجل الآخر ولا يرى سوى صفاته الإيجابيّة، لا بل يُضخّمها بطريقةٍ فيها الكثير من المبالغة. كلّ هذا من أجل الشّعور بأنّ الآخر قادرٌ على إسعادنا السّعادة التي طالما حلمنا بها. هو الشّخص الذي طالما انتظرناه.

  • الوقوف في الحبّ

عاجلاً أم آجلاً، سيكتشف أحد الطّرفيْن تدريجيّاً، نتيجة الواقع والتّجارب اليوميّة، أنّ مساحته وحميميّته وهويّته الشّخصيّة مفقودةٌ في العلاقة وأنّ الشّريك يختزل رغباته ويفرض عليه أذواقه وأفكاره، ممّا يجعل الطّرف الآخر يحاول أن يبدأ في "الوقوف في الحبّ"، والبحث مجدّداً عن هويّته المستقلّة بعيداً من الشّريك واكتشاف الآخر على حقيقته وليس كما تصوّرناه أو تمنّيناه.

 

2- التّحرّر من استعمار الآخر
  • الأنا

إنّ مرحلة إعادة التّموضع هي عندما يكتشف الشّريكان أنّ أحدهما متميّزٌ عن الآخر. فعندما يصبح الانصهار خانقاً لأحد الشّريكَين، تبدأ مرحلة إعادة صياغةٍ للعلاقة ولمواقع كلّ طرفٍ داخل العلاقة. "الأنا" الشّخصيّ يدخل في مفاوضاتٍ مع الآخر غالباً ما تكون صعبةً كي يستعيد مساحته الشّخصيّة من الـ نحن المشتركة. إنّها مرحلة صراعٍ موجعةٌ للتّحرّر من استعمار الآخر للرّغبات الشّخصيّة بعدما تحوّل هذا الاستعمار من مصدرٍ فرِح إلى عبءٍ لا يُطاق.

لستِ الشّخص نفسه الذي أُغرمتُ به، لقد أصبحتِ أنانيّةً لا تفكّرين إلاّ في نفسك

  • رسم الحدود الشّخصيّة

يعي أحد الطّرفَين، يليه الطّرفان، أنّ ليس لديهما الحاجات والرّغبات نفسها، ومن ناحيةٍ أخرى يتمّ اكتشاف عيوب الآخر ونقاط ضعفه التي كانت غائبةً عن الإدراك في مرحلة الانصهار. مثالاً، يُمكن أن تقول المرأة للرّجل في البداية: "كنتُ أقوم معك بكلّ النّشاطات التي تحبّها مثل الذّهاب إلى السّينما وقضاء أغلب العطل عند أهلك، لكنّني اليوم أستطيع أن أحبّك من دون القيام بكلّ هذه النّشاطات معاً، فأنا، مثالاً، أحبّ رياضة المشي التي لا تروق لك وأنا لن أضحّي بها في سبيل إرضائك، بل عليك أن تحترم مساحتي الشّخصيّة". هذه المرحلة تتطلّب واقعيّةً وانتباهاً كبيراً لكيفيّة رسم الحدود الشّخصيّة والمحافظة عليها حتّى لو أثارت بعض الرّفض والقلق عند الشّريك، الذي غالباً ما يلجأ إلى الابتزاز العاطفيّ وإشعار الآخر بالذّنب من أجل المحافظة على مكتسباته السّابقة، كالقول: "لستِ الشّخص نفسه الذي أُغرمتُ به، لقد أصبحتِ أنانيّةً لا تفكّرين إلاّ في نفسك". هنا، لا بدّ للآخر من التّحلّي بالشّجاعة ليقول للآخر: "أنا لستُ مسؤولةً عن شعورك بالخيبة نتيجة عدم تلبية رغباتك كما كنت أفعل".

  • المرحلة المصيريّةً

الشّريك من جهته سيعمل ما بوسعه للحفاظ على صيغة الانصهار ويرفض تخطّي كونه راغباً في الآخر لتملّكه واستعماله من أجل إرضاء حاجاته لتُصبح لديه رغبةٌ في الآخر تُحرّره وتحفظ استقلاليّته. هذه المرحلة قد تكون مصيريّةً للعلاقة إذ إليها يستند شكل العلاقة ودينامكيّتها في المستقبل، فإمّا أن يتّفق الشّريكان على تحديد حاجاتهما ورغباتهما واحترامها بطريقةٍ واضحةٍ ومرضيةٍ للطّرفيْن، وإمّا سوف يستمرّ الصّراع الذي قد يؤدّي إلى فشل العلاقة أو إلى اعتماد صيغةٍ يكون أحد الطرفين فيها راضياً على حساب الآخر.

 

3- اكتشاف أنّنا ثلاثةٌ في العلاقة

الزّواج السّعيد والنّاجح هو الذي يتوصّل إلى المرور من الانصهار الخانق إلى إيجاد التّوازن ببن الحميميّة الشّخصيّة والحميميّة المشتركة.

-إننّا ثلاثةٌ في العلاقة، أيْ أنا وأنت ونحن. فبعد إعادة الاعتبار لـ "الأنا" الشّخصيّة والتّميّز عن الآخر، سيكتشف الشّركاء من جديدٍ أهميّة الـ نحن في العلاقة خارج الانصهار هذه المرّة وضمن معادلة أنّنا في العلاقة ثلاثة. وهذا الـ نحن أيْ العلاقة، هي المساحة المشتركة التي سنبنيها معاً وسنعطيها كلّ الانتباه والتّغذية والحنان والاحترام التي تستحقّها. كلّ واحدٍ يشعر أنّه مسؤولٌ قدر الآخر عن هذه المساحة المشتركة. إنّ هذه المساحة التي يؤمّنها الشّريكان، تخضع لتقييمٍ مستمرٍّ وتأخذ في عين الاعتبار الحاجات والأولويّات الشّخصيّة والمشتركة في الوقت نفسه. الزّواج السّعيد والنّاجح هو الذي يتوصّل إلى المرور من الانصهار الخانق إلى إيجاد التّوازن ببن الحميميّة الشّخصيّة والحميميّة المشتركة، أيْ أنا وأنت من جهةٍ ونحن من جهةٍ أخرى، والقدرة على الاعتراف وتقدير الاستقلاليّة عند الآخر وتميّزه عن الذّات بعيداً عن أيّ تبعيّةٍ أو اتّكاليّة مُفرطة.

إنّ المرور في هذه المراحل الثّلاث لا بدّ منه من أجل الوصول إلى دينامكيّةٍ إيجابيّةٍ وخلاّقةٍ في العلاقة، بحيث إنّ الحبّ وحده لا يكفي من دون الأخذ في الاعتبار نوعيّة العلاقة التي سيبنونها معاً. عندها فقط يستطيع الأزواج ليس "الوقوف في الحبّ" فحسب لا بل "التّحليق معاً في المساحة المشتركة بينهما".

مقالات قد تثير اهتمامك