الانفصال النّاجح بين الشّريكَين شرطٌ لانطلاقةٍ جديدة

عندما تصل العلاقة الزّوجيّة بعد محاولاتٍ عدّةٍ من التّرميم إلى طريقٍ مسدود، يلوح في الأفق خيار الانفصال. عندما تفشل معركة إنقاذ الزّواج، تبدأ معركةٌ أخرى لا تقلّ أهميّةً عن الأولى من ناحية القبول بالانفصال النّهائيّ عن الشّريك، ومواجهة الأعباء النّفسيّة التي غالباً ما تكون مؤلمةً وصعبة، وتطرح تحدّياتٍ كبيرةً من أجل طيّ صفحة العلاقة والانطلاق في الحياة من جديد.
عندما تصل نسبة الانفصال والطّلاق إلى 50% في بعض البلدان لابدّ من طرح الأسئلة الآتية: هل يُمكن أن يتمّ الانفصال بطريقةٍ لائقةٍ ومحترمةٍ وبأقلّ خسائرَ مُمكنةٍ على الشّريكَين وبخاصّةٍ على المستوى النّفسيّ؟ وكيف يُمكن مواجهة الألم وأخذ الدّروس الإيجابيّة والبنّاءة من هذه التّجربة؟

المُصارحة وجهاً لوجه

إنّ قرار الانفصال يأتي بعد مفاوضاتٍ طويلةٍ وشاقّةٍ مع الذّات تتأرجح بين التّردّد، والشّكّ، والرّفض، والشّعور بالذّنب، والخوف من إعلان القرار أمام الشّريك. من هنا تأتي أهمّيّة تحضير الذّات من أجل أن تكون مصارحة الشّريك بالقرار غير مبنيّةٍ على تحميل الآخر كلّ المسؤوليّة لفشل العلاقة، لأنّ ذلك سيضعه في حالة دفاعٍ عن نفسه قد تتحوّل إلى عداوةٍ من الصّعب التّغلّب عليها لاحقاً.
لذلك، من المهمّ مُصارحة الشّريك وجهاً لوجه في مكانٍ هادئٍ يُساعد على الحوار، وبأسلوبٍ مسؤولٍ يأخذ بعين الاعتبار مشاعره. فيُمكن التّوجّه إليه بالقول: إنّني لستُ سعيداً (ةً) في العلاقة لذا أنا غير قادر (ة) على إسعادك. هذا الإعلان لا يجوز أبداً أن يتمّ بمكتوبٍ أو رسالةٍ هاتفيّةٍ لأنّ فيه إهانةً له وحرماناً من التّعبير عن مشاعره في اللّحظة ذاتها، لا بل يجب الإصغاء إليه وإلى ما يريد قوله لأنّها لحظةٌ صعبةٌ على الطّرفَين، والحرص قدر المستطاع على الابتعاد عن اللّوم أو التّجريح أو التّخوين أو لعب دور الضّحية. إنّ الإعلان عن الانفصال بلغةٍ مُحترمةٍ تُراعي مشاعر الآخر، يُخفّف من الصّدمة النّفسيّة التي ستنتج عنها على المدى البعيد، وسيُساعد أكثر أيضاً على الاتّفاق في مرحلةٍ لاحقةٍ على إدارة الانفصال في حال وجود أولادٍ وما يتبعه من مسؤوليّاتٍ أخرى.

مرحلة الحِداد النّفسيّ

إنّ الإعلان عن الانفصال والقبول به ولو بعد أخذٍ وردّ، يعني عمليّاً بدء مرحلة الحِداد النّفسيّ للشّريكَين، أيْ العبور بمراحلَ نفسيّةٍ عدّةٍ لفكّ الارتباط العاطفيّ مع الشّريك، يُمكن أن تستغرق مدّةً لا تقلّ عن ستّة أشهرٍ وقد تمتدّ إلى ثلاث سنواتٍ كي يستعيد الشّخص استقلاليّته العاطفيّة ويشعر أنّه قادرٌ على وضع أهدافٍ جديدةٍ لحياته بعيداً عن أشباح الماضي.
إنّ الانفصال عن الآخر يعني عمليّاً انفصال الـ «أنا» عن الـ «نحن» أيْ العلاقة. البداية من دون شكٍّ صعبةٌ لأنّ الشّريك سوف يشعر بفجوةٍ داخليّة، وبنوعٍ من النّزيف النّفسيّ الدّاخليّ سوف يتصاعد تدريجيّاً بقدر ما يعي الشّريك ويعترف أنّ الانفصال قد أصبح حقيقةً وأن نكران الحدث في البداية ليس سوى تأجيلٍ أو تخديرٍ لِما ينتظره من مواجهة.

التّحرّر من وطأة العلاقة

النكران يحمي الشّريك في البداية من الانهيار، ولكن لا بدّ من الاعتراف التّدريجيّ أنّه لا عودة إلى الوراء، وأنّ على الشّريك أنْ يمرّ حتماً بمشاعر الغُربة والتّشتّت والحزن والغضب والكره تجاه الذّات والآخر، كي يصل في النّهاية إلى مرحلة القبول والتّحرّر من وطأة العلاقة.
إنّ تقبّل المرور بهذه المشاعر ضروريٌّ كي يتغلّب الشّريك على هذه المِحنة، وعليه أن يعيَ أنّه غير محكومٍ عليه أن يظلّ أسير هذه الأفكار والمشاعر السّلبيّة إلى الأبد، بل أنّه في مرحلةٌ انتقاليّةٌ فقط عليه أن يصغيَ إليها كي يكتشف ذاته أكثر، وأن يكون قادراً على أن يطرح على ذاته كلّ الأسئلة التي ستُساعده تدريجيّاً على إدراك مسؤوليّته في هذه العلاقة وماذا تعلّم منها، وإلاّ فسوف يكون عُرضةً لتكرار الأخطاء نفسها في أيّ علاقةٍ مُستقبليّة. إنّها مرحلةٌ أساسيّةٌ كي يكتمل النُّضج العاطفيّ للشّريك، ولكي يعرف كيف يبني خياراته العاطفيّة المُستقبليّة بناءً أوضح وأسلم.

الفشـل وعـدم تخطّـي العلاقات السّابقة

لكن بعض الشّركاء بدل الإصغاء إلى هذه المشاعر وتقبّلها، يلجأ إلى علاقاتٍ عابرة، أو إلى إدمانٍ على الكحول أو إلى العمل المُكثّف، حتّى لا يواجهوا ذاتهم. هذه الخيارات لا تُساعد على تخطّي العلاقة، والدّليل أنّ دراساتٍ بيّنت أن أحد أسباب فشل العلاقات هو عدم تخطّي العلاقات السّابقة التي لا تزال حاضرةً في ذهن الشّركاء وعاطفتهم، فتمنعهم من استثمار عاطفتهم بأكملها مع الشّريك الجديد.

وسائـلُ إيجابيّـةٌ لتخطّــي الأزمــة

هذه المرحلة الصّعبة تتطلّب من الشّريك إيجاد وسائلَ إيجابيّةٍ كي لا يتحوّل الحزن إلى اكتئاب، أو الغضب إلى عدوانيّةٍ قد تدفعه إلى أذيّة نفسه أو الآخر. ومن هذه الوسائل أن يُحافظ قدر المُستطاع على نظام أكله حتّى لا يتعرّض إلى مشاكلَ صحيّة، وأن يُجبر نفسه على ممارسة الرّياضة ليُفرغ الضّغط الذي يشعر به، ومن الضّروري أن يُحيط نفسه بالأصدقاء أو الأهل من أجل أن يشعر أنّه قادرٌ على التّعبير عن مشاعره وهواجسه أمامهم من دون أن يُسمعوه المواعظَ، وأن يكتب، فالكتابة من الوسائل المهمّة لتفريغ المشاعر، وإذا كان لا بدّ من ذلك فليلجأ إلى معالجٍ نفسيٍّ قادرٍ على مواكبته في هذه المرحلة الحَرِجة.

إنّ الانفصال عن الشّريك يتطلّب مسؤوليّةً وإدراكاً عاليَين مُشابهَين لما التزما به في أوّل العلاقة، لذلك إنْ فشلت العلاقة في الزّواج، فليكن الانفصال على الأقلّ ناجحاً يُساعد الطّرفَين على أن ينطلقا من جديدٍ وأن يتجدّد الأمل لديهما في لقاء الشّريك الأنسب والعلاقة الأنجح.

مقالات قد تثير اهتمامك