هل يصدق قول الشاعر: ما الحب الا للحبيب الأول؟

«نقِّلْ فؤادَكَ حيثُ شِئْتَ من الهوى  ما الحبُّ إلاّ للحبيبِ الأوّلِ».
من هو الحبيب الأوّل؟ وإلى أيّ حدٍّ يصحّ قول الشّاعر العربيّ اليوم؟ 
براءة الحبّ الأوّل      
تروي  لارا (42 عاماً) ذكريات حبّها الأوّل: «في صيف 1981، كان عمري 12 سنة... كان جاري راي في الـ 13 من العمر. كان وسيماً كالملاك. أمضينا عطلة الصّيف ونحن نلهو مع باقي أشقّائي في حديقة مجمّعنا السّكنيّ... سرعان ما انجذبتُ أنا وراي نحو بعضنا بعضاً وتبادلنا قبلةً وراء بوّابة الحديقة... بعد ذلك، أصبح لنا كلمة سرٍّ وكانت لعبة «لقيطة القطط».في أحد الأيّام من منتصف هذا الصّيف، مرّرتُ الورقة تحت ماء الحنفيّة لأكتشف أوّل «موعد حبٍّ» لي: «أنتَظِرُكِ السّاعة الواحدة صباحاً. سأترُك باب البيت وباب غرفتي مفتوحَيْن...». هكذا أصبحتُ ألتحق بـ راي في غرفته الكبيرة وسريره الزّوجيّ كلّ ليلةٍ بين الواحدة والخامسة صباحاً. كنتُ أخلع ملابسي، أعرض بكلّ فخرٍ جسدي البالغ وثدييّ على غرار كليوبترا، وعانتي المشعرة. كنا نتداعب ونتبادل القبل ونتغازل بحبٍّ حنونٍ وتوقٍ للاستكشاف والهوى، بكلّ براءة».
إنّ تجربة الحبّ الأوّل تجربةٌ «استهلاليّة»، تحدثُ إجمالاً في مرحلة المراهقة. تُمثّل هذه التّجربة أوّل «انشقاقٍ» من الوسط العائليّ وتعود بنا إلى ذكرياتٍ جميلة. 
الحبّ المثاليّ
أغلب ذكريات الحبّ الأوّل مثاليّة، تُصوِّر اتّفاقاً تامّاً بين الحبيبَيْن، مثل ما تصف لنا غالية (37 عاماً): «كان عمري عشرين سنة. تقابلنا خلال جلسةٍ مع أصدقاءَ مشتركين وانجذب الواحد منّا نحو الآخر فوراً وهكذا بدأت القصّة! شعرتُ أنّني معجبةٌ به جدّاً، لدرجةِ وقوف دماغي عن العمل بشكلٍ جيّد. أتذكّر اليوم الذّكريّات الجميلة والهوى والحبّ! في الواقع، أنا واثقةٌ أنّه حبّي الأوّل لأنّ كلّ اللّحظات كانت جميلة. 
في حالة غالية، يُمثّل حبّها الأوّل «نصفنا المفقود» بالمعنى الأفلاطونيّ. إنّها تحمل في طيّاتها حنين الحبّ الأوّل المثاليّ الغامر الذي يُشبه حبّ الأم. 
حنينٌ لا ينضب
لمياء (28 عاماً) مثالٌ على ذلك الحنين للحبّ الأوّل: «أبحث عن وجهه، عن وقع صوته، عن بريق عينَيْه، عن طريقته في التّبسّم، عن دفء ملمسه، عن رائحة جلده. أبحثُ عنه كلّه وأعثر على بعضه فحسب».
بالرّغم من مرور الوقت واكتساب خبرةٍ في ممارسة الحبّ، يُمكن أن يترك الحبّ الأوّل أثراً أو بصمةً ما لمدى الحياة على جسد المرأة. 
ساره (42 عاماً): «أنا متزوّجةٌ منذ عشرين سنةً وعندي ثلاثة أولاد، أحبّ زوجي وعائلتي وأسهر على إسعادهم. لم أتزوّج من حبّي الأوّل، ولم أعد أعاشره، لكنّ ذكراه لا تُمحى البتّة. وغالباً ما أدفع زوجي إلى القيام باللّمسات التي كان حبّي الأوّل يقوم بها. لا أزال أبحث عن يده على وجهي، عن وَقْع أنامله على جسدي. قولي إنّ حبّي له تحوّل إلى نوع حنينٍ لا يخبو مع الزّمن. إنّه أمرٌ مختلفٌ عن حبّي الصّادق لزوجي، أمرٌ روحانيٌّ وعميقٌ لا يزال يُلهمني رومانسيّتي وإحساسي بجمال العالم المحيط”.
باقٍ ولكن
كذلك، يترك الحبّ الأوّل بصمةً في القلب وحنيناً عاطفيّاً شبه مثاليّ. غنوة (37 عاماً) تقول: «أتذكّره أكثر الأحيان عندما أحتاج عناقاً حنوناً وعندما أشعر بالوحدة وبحاجتي إلى كتفٍ حنونٍ أبكي عليه». 
خلال مقابلاتي، لاحظتُ أنّ الشّعور بالحنين للحبّ الأوّل يجتاح بشكلٍ خاصٍّ المرأة في الثّلاثينيّات والأربعينيّات من العمر، وبخاصّةٍ المرأة المتزوّجة.يعود ذلك إلى خيبة أملٍ أو «فشلٍ» ما في علاقتها الزّوجيّة. فالحلم بالحبّ الأوّل ينزع منها كلّ المسؤوليّات التي تترتّب عليها كزوجةٍ وأمّ. يعود بها الحبّ الأوّل إلى صورٍ خياليّةٍ للاتّفاق التّام بين الحبيبَيْن وعلاقةٍ اندماجيّةٍ خاليّةٍ من المسؤوليّات اليوميّة.
تقول غنوة: «عندما تزوّجت، كنتُ أبحث عن رجلٍ منفتحٍ جدّاً، يحترم خصوصيّاتي ويعتبر زوجته شريكة حياته، ويُشاركني في كلّ شيء! وبما أنّه عاش أكثر من عشرين سنةً في أوروبا، حسبْتّ أنه سيتحلّى بكلّ هذه الصّفات! ولكنّ خيبة أملي كانت أنّه رجلٌ من الطّراز القديم، الذّكوريّ! كنتُ أبحث عن قلبٍ كبيرٍ يحبّني. لا يعبّر زوجي عن مشاعره. في الحقيقة، إنّه غير عاطفيٍّ البتّة. إنّه مهندس، وواحدٌ زائد واحدٍ يساوي اثنَيْن! إنّه محترمٌ جدّاً في المجتمع ولكنّه لا يعرف ما هي الحياة الزّوجيّة». 
سألتُها: ألم تفكّري قطّ بترك كلّ شيءٍ والبحث عن حبّك الأوّل والالتحاق به؟ قالت: «أبداً. والسّبب البسيط هو ابني! إنّه كلّ حياتي».
الأمانة الزّوجيّة على المحكّ
ماذا تفعل المرأة المتزوّجة إذاً؟ ماذا لو جمعتها الحياة بالصّدفة مع حبيبها الأوّل؟ ومتى وكيف تبحث عنه؟ 
في أغلب الأحيان، بخاصّةٍ في مجتمعاتنا العربيّة، يتبيّن من المقابلات التي قمتُ بها، أنّ المرأة المتزوّجة لا تريد أن تخون زوجها. إنْ شاءت «صدف الحياة» أن تجمعهما من جديدٍ مع حبيبها الأوّل، سرعان ما ترفض المُضيّ قُدُماً، خوفاً من مشاعرها.
تقول لارا: «أمضيتُ عطلة الصّيف في لبنان. وفي أحد الأيّام جاءني اتّصالٌ من أخي. كان مع راي الذي كان يريد أن يتكلّم معي ويراني. كان مشتاقاً إليّ. قلتُ نعم، ولكن لم أنضمّ إليهما. لم أكن أريد أن أخون زوجي».
أمّا غنوة فتقول: "أتذكّر أنّني في أحد الأيّام، أخذتُ ابني وذهبنا إلى «المول» مع أعزّ صديقةٍ لي وكنّا نتجوّل في أرجائه، وفجاةً أخذ قلبي يدقّ بسرعةٍ فائقة. قلت لصديقتي «إنّه هنا، إنّه معنا في المول». ضحِكتْ كثيراً وكان علينا أن نعود لأنّها اعتبرتْ أنّني لم أكن على ما يرام أبداً! عند وصولي إلى البيت، بعد ربع ساعةٍ تقريباً، رنّ الهاتف وكان هو. قال إنّه رآني في «المول» ولم يكن يصدّق عينيْه! لم أعطِه الفرصة للتّكلّم معي. شعرتُ أنّني أخون ثقة زوجي، فاعتذرتُ منه وطلبتُ منه ألاّ يتّصل بي من جديد، باعتبار أنّني متزوّجةٌ ومِن غير اللاّئق أن أتكلّم معه. إنّني نادمةٌ على تصرّفي هذا. أتمنّى لو أنّني استمعتُ لِما كان سيقوله وتعاملتُ معه كصديق، ولكنّني خفتُ كثيراً من الوقوع في حبّه من جديد».  
تستسلم المرأة المتزوّجة إذاً لواقعها، وبخاصّةٍ إذا كانت أمّاً. لا تبحث عن حبّها الأوّل بشكلٍ إراديّ، إنّما يظلّ لديها الفضول لمعرفة ما ألمّ به. فيأتي البحث على «الفايسبوك».
تواصلٌ إلكترونيّ!
ردّاً على سؤالي: «هل بحثتِ عنه على الفايسبوك؟» تقول غنوة: «نعم ولا! حاولت ولكن لم أستطع العثور عليه. كنت دائماً متردّدةً في فعل ذلك لأنّنا في نهاية المطاف لا يُمكن أن نتواصل من جديد.».
يُذكر أنّ الأمر يختلف عند امرأةٍ مطلّقةٍ أو عزباءَ  في الثّلاثينيّات والأربعينيّات من العمر. ينتابها شعورٌ غامرٌ يستدعي منها البحث عن الحبيب الأوّل بشكلٍ جدّي، ولعلّ الإنترنت يُسهّل العمليّة. فالحنين للحبّ الأوّل يأتي في أغلب الأحيان عندما تشعر بفشلٍ أو خيبة أملٍ ما في حياتها الحاليّة وتتصوّر أنّ بإمكانها البدء بحياةٍ جديدةٍ مع حبّها الأوّل. 
عاشت ماري (42 سنة) فترةً صعبةً بعدما تركها زوجها وهي في الواحدة والأربعين من العمر. فأخذت تبحث عن حبّها الأوّل على الإنترنت و«تنبّش في الماضي» بهدف إعطاء فرصةٍ جديدةٍ لقصّة حبٍّ قديمة. يُمثّل هذا البحث «أسطورة الشّباب الأبديّ». فالعثور على الحبّ الأوّل يعني القدرة على حذف عشر سنواتٍ أو عشرين فجأة. ولكنْ عند اللّقاء، وبخاصّةٍ عندما يكون طرفٌ في أوج الرّغبة ويحثّ على اللّقاء، تكون خيبة الأمل دائماً على الموعد.
«إنتو إللّي تغيّرنا» 
تروي لنا ماري كيف عثرت على حبّها الأوّل وما نتج عن اللّقاء: «كان في الصّفّ التّاسع معي. عثرتُ في الإنترنت بعد عشرين سنةً على عنوان عمله. لم يتذكّرني فوراً. تبادلنا بعض الرّسائل الإلكترونيّة وكان دوماً مستعدّاً للاستماع إليّ. التقينا في أواخر سنة 2007. كنتُ قد انفصلتُ عن زوجي منذ سنةٍ وكان هو قد أنهى للتوّ علاقةً أليمةً مع صديقته. أمضينا وقتاً سويّاً. أحببتُ كثيراً الأوقات التي أمضيناها معاً.  لقد مارسنا الحبّ أخيراً. كان الشّعور طريفاً، مُسبّباً للدّوار. كانت تراودني صور وجهه قبل عشرين سنة. جاء وقت الفراق بعد عدّة أيّامٍ مكثّفةٍ جدّاً. كنتُ قد فهمت أنّه كان من الصّعب عليه جدّاً تخطّي انفصاله عن صديقته التي خانته لأشهرٍ عدة ولم يرِد التّعلّق بامرأةٍ أخرى من بعدها. فوجئتُ برسائلَ حبٍّ ملتهبةٍ منه، ثمّ تغيّرت نبرته فجأة. كان قد تعرّف على نساءٍ أخرياتٍ بالتّأكيد. وأخيراً وصلتني منه رسالةٌ إلكترونيّةٌ يقول لي فيها أنّ طبيبه النّفسيّ قال له إنّني لا أتمتّع بالصّفات المطلوبة له على الأرجح، وكان قد تعرّف على امرأةٍ أخرى وكان كلّ شيءٍ على ما يرام معها... وانهار الحلم. هذا الرّجل الذي رغبته لأوّل مرّةٍ في حياتي أخذ وجهاً مختلفاً تماماً. شعرتُ بالارتياح أنّ كلّ ذلك توقّف هنا، لأنّني كنتُ سأعاني معه بالتّأكيد». 
إنّه نهاية حلم. فالحنين إلى الحبّ الأوّل لا ينطبق دوماً مع الحقيقة، ونكون في أغلب الأحيان على موعدٍ مع الإحباط! هل من المُستحسن الحفاظ على الذّكرى الجميلة وإبقاء الماضي مكانه والحذر من مشاعرنا القديمة؟
نهاياتٌ سعيدةٌ أحياناً
مثل تجربة صوفيا (30 عاماً) التي تقول: «لم أستطع أن أجد شخصاً أفضل منه وعدنا إلى بعضنا بعد سبع سنين من الفراق»، أو تجربة لورا (40 عاماً): «في يومٍ جميلٍ من صيف 1990، خرجنا سويّاً... السّعادة التامّة! بقينا سويّاً ستّ سنواتٍ لفتراتٍ متقطّعةٍ لأنّني درستُ خارج البلاد، وافترقنا بعد ذلك. فقد بدأنا علاقتنا ونحن في سنٍّ صغيرةٍ وكنتُ بحاجةٍ إلى أن أبني نفسي. تقابلنا بعد افتراقنا مراتٍ عدّةً بشكلٍ متقطّع... ثمّ تعرّف على امرأةٍ لم تقبل أن نتقابل... صمتٌ لمدّة عشر سنوات. في أوائل السّنة الفائتة، اتّصلتُ بأصدقاءَ مشتركين وكان هناك. سألوني إذا كنت أريد التّكلم معه وقد تحدّثنا سويّاً بحماس. لمّح لي أنّه سيكون سعيداً إذا رأينا بعضنا بعضاً. اقترحت عليه أن نتناول العشاء سويّاً. وأبدينا رغبتنا باللّقاء مرّةً أخرى. ثمّ تبادلنا الرّسائل الإلكترونيّة. اقترحتُ عليه أن يأتي إلى ضيعتي البعيدة لنمضيَ سويّاً عطلة نهاية الأسبوع. جاء أخيراً أثناء عطلة الفصح... ونحن معاً منذ ذلك الحين. نعرف بعضنا بعضاً ونكتشف بعضنا بعضاً في الوقت نفسه. لا أعرف إنْ كان هناك مستقبلٌ لعلاقتنا، ولكنْ في كلّ الأحوال لم أشعر منذ وقتٍ طويلٍ بما أشعره اليوم...».

مقالات قد تثير اهتمامك