نعم لكلِّ «ضوء أخضر»

ما هي مشكلتنا كعرب مع البورنوغرافيا أو الإباحيّة؟ انطلاقاً مِن سَجن الكاتب المصريّ الشاب أحمد ناجي بسبب مشهدٍ إباحيٍّ في روايته «استخدام الحياة» (عن القاهرة وناسها)، ومنع فيلم «الفتاة الدنماركيّة» (عن أوّل متحوّل جنسيّ) في خمس دولٍ عربيّةٍ، يبرز الجنسُ مجدّداً كمحرّم في فنوننا وآدابنا المعاصرة بل وفي حياتنا حيث يُحاط بالخوف والسّرية والدنس. بل إنّ التصاوير والعناصر الأيروسيّة، وهي أقل مباشرة وأكثر حياءً في تناول شهوة الحياة، تُرفض بدورها من الرقيب العربي باعتبارها «خادشة للذوق» ومخلّة بالآداب العامّة.

لطالما عمرتْ كتبُ التراث، نثراً وشعراً، بالنّصوص سواء الإيروسيّة أو الإباحيّة التي تسمّي الأعضاء والعمليّة الجنسيّة بأسمائها حيث لكلّ عضوٍ حميمٍ أكثر من اسم، بما يدلّ على وساعة مخيّلة الأجداد العشقيّة، وحريّة تعبيرهم عنها حتّى وبعضُهم رجالُ دين، وبالتالي على رحابة الوعاء الحضاريّ العربي والإسلامي، يومها.

ولطالما كانت «الحسناء» رائدةً وسبّاقةً في نشر الثقافة الجنسيّة عبر بابها الذي طبّقت شهرته العالم العربيّ منذ أواسط القرن الماضي: «الضوء الأخضر». وكانت دول عربية عدّة، بما فيها خليجيّة، تستقبل أعداد مجلّتنا بعشرات الآلاف دونما حرَج، ولو عمدَ رقيبُ دولةٍ إلى انتزاع صفحات هذا الباب. لكأنّ الجنسَ قوّة يجب أن تظلَّ خامدةً في الرجل والمرأة العربيّين، مغلَّفةً بالخوف والعَفَن والخرافة، إلى أن ينفجر الاحتقان عُنفاً يطاول صاحبه، أو عائلته، أو مجتمعه الأبعد. لذا نجد في الدفاع عن الثقافة الجنسيّة ونشرها وتعزيزها واجباً مستمرّاً على صفحاتنا. كما ندافع عن حرية أدبائنا في وصف الواقع المأزوم في العلاقة مع الجسد والسّياسة والفكر الدينيّ، وفي إعادة صوغ هذا الواقع بما يتلاءم ورؤية كلّ كاتب وفنّان. وإذا كان من إسفافٍ أو سقوطٍ فنّيٍّ، سيكون على نقّاد الإبداع وقرّائه ومتتبّعيه، دون سواهم من الرقباء، أن يقولوا كلمتهم وأن يختلفوا في أمره.

إذا كان ثالوث المحرّمات: الجنس والدين والسّياسة، سيبقى سيفاً مصْلتاً على فكرنا وواقعنا، فكيف لنا أن نحيا ونتنفّس وننقل من ثمّ تجاربنا إلى حقول المعارف لنقاشها ونقدها والارتقاء بالحياة والإنسان العربيّين؟ مَن سوى المؤسّسة السّياسيّة القاهرة والدينيّة المتكلِّسة يفيد من تعقيد مجرى حياة الأفراد والجماعات فيُكبَت الكائن، وتُرذل رغباته، ويتشوّش فكره، فيسهل ترويضه بشتّى أدوات التوجيه والضبط والإخضاع؟

مقالات قد تثير اهتمامك