هل يستمر زواج بلا جنس؟

العلاقة الجنسيّة هي من سُنن الزواج، فهي التي، من جرّائها، يستطيع المرء أن ينجب بغية استمرار الحياة. يمكن تفهّم فكرة أنّ الجنس قبل الزواج يُعتبر، لدى الأديان السماويّة، إثماً وحراماً. ولكنْ، إن تمّ الزواج بالطرق القانونيّة والدينيّة، لِم يبقى الجنس هاجساً، ولِم تخلو بعض العلاقات الجنسيَة منه؟

الغريب في الأمر هو اعتقاد الكثيرين باستحالة حصوله، رغم أنّ هذه الحالة، أي الزواج من دون جنس، ليست بالنادرة أو المستحيلة.

 كثيراً ما نسمع عن زواجٍ فاشل، أو عن طلاقٍ يتم بعد ليلة الدخلة مباشرة. ونتساءل عن المشكلة، ولا يمرّ بأذهاننا أنّها، على الأرجح، مرتبطةٌ بشكلٍ مباشرٍ بعلاقةٍ جنسيّةٍ فاشلة.

تتعدّد الأسباب، ونعرض هنا أبرزها:

الرّهاب الجنسي المرتبط بتربيةٍ جنسيّةٍ خاطئة: في المجتمعات التقليديّة التي تقوم على تربيةٍ صارمة، تقع الفتاة دائماً ضحيّة أوهامٍ لا علاقة لها بالواقع. ولكي يبقيها أهلها بعيدةً عن "التجربة"، يخترعون قصصاً وحكايات، محاولين من خلالها  إظهار العلاقة الجنسيّة على أنّها مخيفةٌ، وإظهار الرجل بشخص "غولٍ"، سيفترسها في الليلة الأولى.

ولأنّ الجنس "حرامٌ" قبل الزواج، لا يعي هؤلاء بأنّه في العقل الباطني لتلك الفتاة، سيبقى الجنس مرتبطٌ، حتى بعد الزواج، بالخوف. ولأنّه موضوعٌ شائكٌ، لا يمكن للأهل التطرّق إليه، فيبقى مبهماً بالنسبة إليها، وتصبح تربيتها الجنسيّة شبه مُعدَمة.

ولأنّ جسدها يشكّل منطقةً مجهولةً بالنسبة إليها، يصبح لدى هذه الأخيرة هاجس الجسد أيضاً، فتنكره، أي تكرهه؛ ومن هنا خوْفُها من العلاقة الجنسيّة، حتى بعد الزواج.

"منذ صغري ووالدتي تحاول بشتّى الطرق أن تخيفني من العلاقة الجنسيّة، بقولها الدائم أنّ العلاقة مع الرجل "مقرفة ومقززة"، وأنّ جسد المرأة شيطانٌ عليها أن تحاربه دائماً. ولأنني أنتمي إلى عائلةٍ محافظةٍ، لم يكن باستطاعتي أن أعرف المزيد حول العلاقة التي تربط بين شريكَين. وعندما زوّجني أهلي إلى رجلٍ لا أعرفه، كلّ أشباح الخوف الباطني خرجَت. ولم أستطع أن أمارس الجنس. كثيراً ما كان يحاول، بطرقٍ لطيفةٍ، أن يتقرّب منّي؛ وحين يَئس من أمري، راح يهدّدني، إلى أن حاول يوماً الاعتداء عليّ. أنا في الـ 26 من عمري، عذراء، ومطلّقة!" (هدى أ.، لبنان)

الخوف المرتبط بالألم: وصلتنا إلى "الحسناء" هذه الرسالة: " أبلغ من العمر 31 عاماً، وأنا متزوجةٌ منذ 8 سنوات، إلا أنني ما زلت عذراء؛ والسبب مني وليس من زوجي، إذ إنني أشعر بالرهبة كلما حاول زوجي أن يقيم علاقةً جنسيةً كاملةً معي.

عندما تزوّجت لاحظت أنني أعاني من مشكلة، فقصدت طبيباً نفسانيّاً أعلمني بأنني أعاني من مشكلة الرهاب من الألم. ووصف لي دواءً للاسترخاء. أنا أحبّ زوجي وعشت معه حياةً سعيدةً، كما أنّ والديّ منفتحان وليسا شديدي التحفظ.

ومن وقتٍ إلى آخر، نحاول أن نقيم علاقةً جنسيةً كاملة، ولكننا نفشل. ولقد فَقد زوجي، بالطبع، اهتمامه مع الوقت، وبات بالكاد يحاول، وأنا أشعر بحالٍ أفضل ولا أطلب منه أيّ شيء، لأنّ الأمر يخيفني كثيراً.  (أ.س، لبنان)

وأفادنا الدكتور نبيل خوري، بعد الاطلاع عليها بالآتي: "كثيرةٌ هي حالات الرهاب من الألم، وليس فقط الخوف من العلاقة الجنسيّة بحدّ ذاتها. يجيب الأطباء  أنها ناتجةٌ عن مفاهيم تربويةٍ ومقاييس اجتماعيةٍ ومقوماتٍ خُلُقيةٍ ملتويةٍ أو مفهومةٍ خطأ. ولكن، وفي حالاتٍ كثيرة، تنتج المشاكل الزوجية عن ضعفٍ في الثقافة الجنسية أو عن إمعانٍ في ترجمة مفهوم المجامعة بحد ذاته بطريقةٍ فولكوريةٍ تفقده معناه الفعلي، إذ تفرغه من مدلولاته وتخلق تداعياتٍ سلبيةً تلغيه أو تحُول دونه بشكلٍ كلّي.

عندما تتحدث أولئك النساء عن أهلٍ منفتحين وعن عدم تعرّضهن إلى أيّ نوعٍ من المضايقات الجنسيّة، ذلك يبيّن أنهنّ تبتغين إلغاء مرحلةٍ من مراحل حياتهن طبعتهن بطوابع الهلع والخوف من الرجل (أي الذكر)، أو لا تُرِدن أن تحمّلن أحداً مسؤولية هذا الأمر.

بعض النساء، من جرّاء الخوف من الألم الذي تربّين عليه، بحسب المفاهيم الخاطئة (المرأة تنزف كثيراً وتتألم كثيراً)، يضطررن إلى الكذب، بحجة أنهن ما زِلن في الدورة الشهرية، وذلك كلّه لكي يتفادين، وبكلّ بساطة، عمليّة فضّ غشاء البكارة، التي، بنظرهن، هي أكثر ما يخيفهن في الحياة".

زواج من شخصٍ لوطي: كثيراً ما يكون الزواج من دون جنسٍ أمراً متفَّقٌ عليه، أي أنّه لا يرتبط بأيّة حالة خوفٍ أو مشكلةٍ نفسيّة.

إحدى هذه الحالات هي الاتفاق الذي يجري بين رجلٍ لوطيّ وفتاةٍ سحاقيّة. هما يعلمان بأنهما لن يستطيعا أبداً أن يقيما علاقةً جنسيّةً مع الجنس الآخر، لذلك يتفقان، بعد أن تكون قد ربطتهما علاقة صداقةٍ، أن يتزوّجا، فقط من أجل صورتهما في المجتمع ولمحاولة إرضاء العائلة. لا جنس في هذا الزواج "المدبَّر"، إذ تكون، من قوانينه، إقامة علاقاتٍ خارج الزواج، مع مُثليّي الجنس، مثلهما.

الزواج "الأبيض" (blancmariage): الكل يعرف عن هذا النوع من الزواج، والكل، تقريباً، يحتاجه ليحصل على جنسيّةٍ أجنبيّةٍ لا يمكنه الحصول عليها دون زواج. كما وأنّ هناك معاملاتٍ قانونيّةً ( قضية الإرث) لا تتم إلا إذا كان صاحب العلاقة متزوّجاً. فيتزوّج هذا الأخير من شخصٍ يكون قد فاتحه بالأمر. ويتمّ الاتفاق بينهما على ألا يقيما أيّة علاقةٍ جنسيّة؛ ذلك لأنّ هذا الزواج ليس سوى عقدٍ قانوني للوصول إلى غايةٍ ما. ويذكر أنّه، في حالاتٍ خاصّة، يقع هذان الشخصان "بالتجربة"، ويكون حتماً الجنس بينهما... حلالاً!

 

مقالات قد تثير اهتمامك