شربــل روحانــا: «مارسيل وزياد اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم!»

شربــل روحانــا: «مارسيل وزياد اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم!»

كتب جوزيف عيساوي: 

بذوقٍ واحترافٍ موسيقيَّين يتقدّم الفنّان شربل روحانا في عمله الجديد «تشويش». لا يتخلّى عن نقده الاجتماعيّ ولو أدخل موضوعاتٍ جديدةً إلى الأغاني. في  هذا الحوار يكشف روحانا عن لادينيّته في نظرته إلى الوجود، ولو ساهم في وضع تراتيل كنسيّةٍ يعتبرها جزءاً من تراثه، غير راغبٍ أن «يستفزّ» المؤمن بالتّعبير عن عدم إيمانه عبر الأغنية.

الحياة بعد الموت حلمٌ تربّينا عليه ليس أكثر

تكتب على الألبوم: «الواضح لحظة الولادة والموت، ومــا بينــهما تـشويش». لكنّ الأغاني لا تعبّر عن التّشويش بل عن خياراتٍ واضحة: كالرّومانسيّة مثلاً.

لو تناولنا كلّ أغنيةٍ على انفراد. أغنية «تشويش» مثلاً. في مستهلّها يقول العاشق للعاشقة إنّ الغرام انتهى. وكذلك هي. لكن في القسم الثّاني من الأغنية تتبدّل المواقف ولا يكون ثابتاً سوى المدى والغيوم. ولعلّ عدم الثّبات، يمنح حياتنا جمالاً وغنًى.

 وماذا عمّا بعد اللّحظة الثّانية، لحظة الموت، هل أنت أكيدٌ ممّا ينتظرك أو «مشوّش»؟

أعتبر أنّ الجنّة والنّار، والثّواب والعقاب، هو ما يحصل معي ولي على الأرض. وأترك فكرة ما سيكون بعد الموت، إذا كان هناك حياةٌ أو لا، كأحد الأحلام التي تربّينا عليها صغاراً. وهو حلمٌ أحبّه كترتيلةٍ أو كرائحة  البخور. ليس أكثر.

موت الأطفال

 ما الذي قادك إلى هذه القناعة لتصبح إنساناً لا دينيّاً؟

أظنّها اختباراتي وتأمّلاتي الشّخصيّة. القراءات قد تؤثّر لكنّ الفصل هو خبرتك الشّخصيّة.

 هل من أحداثٍ دفعتك في اتّجاه أن تصبح لا دينيّاً؟

أقول إنّني كوالدٍ يمنح أولاده حريّةً واسعة، أقدّم لهم ملاحظةً عند الخطأ. إذا كان الخطأ أكبر أقسو أكثر. أحياناً قد تمتدّ يدي بصفعةٍ خفيفة. قيل لنا إنّ الإنسان على صورة الله ومثاله وإنّه أعطاه الحرّيّة ليكون الثّواب والعقاب، ولكن أمام كلّ هذه الشّرور لماذا لا يتدخّل؟ شرطيّ سيرٍ واحدٌ قد يكفي لتنظيم السّير، فكيف لو كانت قوّة خارقة تريد تنظيم الكون وتعجز أو لا تريد أن تفعل لكي لا يموت الأطفال والأبرياء؟

بعض النّاس يُبرّر موت الأطفال باحتمال عودتهم ثانيةً إلى الحياة؟

الجواب: إذا كان الطّفل القتيل سيعود فعلى أيّ أساسٍ ولم يظهر بعد خيره من شرّه؟ ولكن، في المقابل، ولكيّ أفكّر بتوازن، بعض الاحتفالات والطّقوس الدّينيّة يُمكن أن تمنح النّاس الفرح، وهذا يعنيني. فأنا أدخل الكنيسة وألحّن التّراتيل لأنّها تمنح جماعةً من الجماعات الفرح.

«ثوراتٌ دينيّة»!

الحروب اليوم دينيّة المنطلقات ولو قيل إنّ الحرب ليست من الدّين. فما رأيك؟

من دون الدّخول في السّياسة، هناك تقاطعٌ بين الدّينيّ والسّياسيّ ومصالح الجميع. نعم يستطيع أصحاب المصالح الشّرّيرة توظيف الفقر والجهل والظّروف الاجتماعيّة السّيّئة ودفعها باتّجاه «ثوراتٍ» دينيّةٍ وسلوكٍ متطرّف. إذا كانت النّيّة «شرذمة» منطقتنا فشعوبها وجماعاتها وتراثها الثّقافيّ تتحمّل مسؤوليّة ما يحصل. فهي خلافاتٌ لم تنتهِ منذ مئات السّنين. ممّا يعني أنّ ثقافتنا قابلةٌ للاشتعال والتّناحر مذاهبَ وأدياناً وإثنيّات، بالإضافة إلى مصالح «الغير» – الآخر. إنّه مثلّث ديكتاتوريّة الأنظمة العربيّة – الأصوليّات – المصالح الخارجيّة.

صديقي، تحدّثنا عن لا دينيّتك وأنت تلحّن التّراتيل. لماذا لم تعبّر عن موقفك اللاّدينيّ في أغنية؟

يقول الفيلسوف سارتر: حين يسقط وهم الخلود لديك يتغيّر تعاملك مع الحياة. نعم، ليتنا نستطيع أن نتصرّف كما نقول وأن نقول ما نفكّر فيه. وبصراحة، إنّ هذا الموضوع خارج حساباتي. فقد رفضت أن أعيش قلق الآخرة والموت وما بعده. وما دام لا يؤرقني، ولا أريد استفزاز الآخرين بشأن حلمهم بالخلود، فلستُ إذاً مضطرّاً لوضعه في فنّي.

لا أحبّ استفزاز الآخرين وأتمنّى أن لا يؤطّرني الآخرون في أطرهم التي لا تنسجم وقناعاتي. حرّيّة المُعتقد والإيمان أو عدمه يجب أن تتوافر للجميع. عِلماً أنّ هناك مساحةً إنسانيّةً كبرى يُمكن للجميع أن يعملوا عليها لتوفير حياةٍ كريمةٍ وسعيدةٍ للنّاس، قبل أن نتبادل الإدانة في موضوع الإيمان أو الدّين أو الإلحاد.

 هل ترى أصوليّةً مسيحيّةً في لبنان؟

الأصوليّات والعصبيّات موجودةٌ لدى كلّ الطّوائف. ولكنّ هذا المارد مدعوس الآن لدى المسيحيّين. «كلّ النّاس بتكذب على بعضها» عنوان إحدى أغاني الألبوم الأخير (مع أنّ توجّهها عاطفيّ). كلّ الطّوائف تزعم أنّها على وئام، وأنّ الإسلام والمسيحيّة يتناغمان ويتحابّان. لكن أعرف أنّ الجمر تحت الرّماد وينتظر فقط اللّحظة الملائمة للاشتعال. وهنا دور الفنّ والمدارس والتّربية وتوفير التّنمية الاجتماعيّة المتوازنة لمنع بعض النّاس من استغلال الفقر والجهل للتّحريض على الآخر المختلف في الدّين أو المذهب.

الكونسرفتوار  كالبلد

هل يقوم المعهد الموسيقيّ الوطنيّ حيث تُدرّس العزف على العود بدورٍ مؤثّرٍ على هذا الصّعيد؟

كلّ ما أقوم به فنّيّاً أو تعليميّاً إنّما يكون على أسس الانفتاح وتعرّف الآخر. الموسيقى تُساعدني وتساعد الآخرين على التّعارف والتّلاقح ومحبّة الإنسان الإنسان. عندما يعلو منسوب الفرح بتأثير الموسيقى يخفّ منسوب التّطرّف.

ألذلك يحرّم بعض النّاس الموسيقى والأغنية؟

أخاف ممّن لا تمسّه الموسيقى. ومن لا يتأثّر بالقصيدة. وبالنّغم والنّظرة. لأنّه يصير قادراً على ما لا يمكن وصفه من ارتكابات.

الجنّة والنّار، الثّواب والعقاب، هي ما يحصل لنا على الأرض فقط
التّكنولوجيا وحياتنا

 أثرتَ قبل قليلٍ في دردشةٍ خاصّةٍ تأثير التّكنولوجيا في حياتنا. لكنّ الألبوم خلا منها. لماذا؟

هناك نصٌّ كتبه أخي بطرس عن الموضوع ولم ألحّنه بعد. أرى أنّ وسائل التّواصل الاجتماعيّ لا تقرّب النّاس، ليس لأنّها وسائلُ افتراضيّة، فهي حقيقيّةٌ بعض الأحيان أكثر من اللّقاءات الشّخصيّة بين النّاس، لأنّك تُقبل بفرحٍ ولهفةٍ وشوقٍ للتّواصل من خلال الجهاز الخلويّ أو الكومبيوتر. بل هي لا تقرّبهم دائماً لأنّ كلّ واحدٍ يغدو مع الوقت غارقاً في وحدته. عبارة روبن ويليامس قبل انتحاره رائعةٌ إذْ قال: «كنتُ أعتقد أنّ قمّة التّعاسة أن تكون وحيداً، وكنت على خطأ. اكتشفتُ أنّ الحزن الحقيقيّ أن يعاملك المقرّبون ومحبّوك كوحيدٍ ولا يكترثوا لأمرك».

 أنت كموسيقيٍّ ألا تحتاج إلى الوحدة؟

هناك الوحدة التي أسعى وراءها بيدَيَّ وقدمَيّ لأنّي أحتاجها كموسيقيٍّ كمثل حاجتي إلى الطّعام. ولكن يحدث في بعض المرّات أن تشعر أنّك وحيدٌ بالمعنى السّلبيّ. وهنا دور الأصدقاء والأهل والعائلة والأولاد. هي ثلاث حالاتٍ أعيشها: الوحدة الضّروريّة، الوحدة القاسية والمؤلمة، والوحدة بين الآخرين ومعهم (يضحك) وهذا هو التّشويش بحدّ ذاته (يضحك).

أنا ومارسيل

هل تلتقي ابن خالتك الفنّان مارسيل خليفة؟

بالطّبع نتلاقى بين وقتٍ وآخر.

كيف قرأت موقفَين سياسيَّين أخيرَين له. فمن جهةٍ أضاء شمعةً في ذكرى أحد شهداء الثّورة السّورية، ومن أخرى انتقد الدّكتور  سمير جعجع، فيما يُشبه حركةً متوازنةً قام بها مارسيل بين فريقَي 14 و 8 آذار؟

فليعبّر مارسيل عن نفسه كما طالما فعل. وإن كنتُ أتمنّى لو استطعنا العودة إلى الماضي مرّةً واحدةً ليُطوى مع ذيوله بلا رجعة، ومن الجميع.

أعرف محبّتك لـ مارسيل، ولكن هل تعرف أين هو اليوم سياسيّاً لاسّيما مع تحوّله نحو الموسيقى تاركاً ما عُرف من التزامه السّياسيّ اليساريّ في الأغنية؟

في المبدأ يحقّ للإنسان والفنّان خصوصاً أن يذهب في الاتّجاهات التي يراها مناسبةً وتأخذه معها، من دون أن يشعر أنّه داخل إطار. لديه الحريّة المُطلقة ليقول ويفعل ما يريد.

حتّى لو تناقض مع خياراتٍ سابقة، أو تخلّى عن تلك الخيارات أو قدّمها بخجل؟

الالتزام كلمةٌ لكنّها تعني كلّ الحياة. وإذا كان لا بدّ من التّحدّث عن التّغيير والتّخبّط فلا يتحمّل الفنّان مارسيل خليفة هذه المسؤوليّة. نحن وصلنا إلى داعش ولا يمكن إلقاء اللّوم على فنّانين.

أخاف ممّن لا تمسُّه الموسيقى!

بالطّبع ولكنّ الفنّانين كانوا طرفاً في الحرب الأهليّة، هل قاموا بنقدٍ ذاتيٍّ قبل أن يذهبوا إلى خياراتٍ أخرى إنسانيّةٍ أو سياسيّةٍ أو فنّيّة؟

من القضايا المهمّة أيضاً التي لا تقلّ أهمّيّةً عن المسائل السّياسيّة، الدّفاع عن آلاتنا وكيفيّة تطويرها وكذلك لغتنا وتطويرها.

ولكنّ مارسيل بعوده وحده شكّل ظاهرةً كبيرةً ومثيرة، منها حاجته اليوم إلى الأوركسترا، يقول بعضهم، على أهمّيّة تأليف الموسيقى؟

هذه الحاجة لا يفهمها إلاّ مارسيل نفسه. ولا نستطيع أن نطلب منه الاستغناء عنها أو إبدالها بسواها.

مارسيل وزياد والالتزام

ولكنّ مارسيل الفنّان الملتزم سياسيّاً أين هو اليوم، وهل بات التزامه مقتصراً على الموسيقى وتطويرها ومواقفَ رمزيّة؟

إنّه السّؤال القديم الجديد الذي طُرح على مسمعي عشرات المرّات. وأفضّل أن يُطرح على مارسيل نفسه.

أنتَ هل سألته إيّاه؟

لم أسأله هذا السّؤال لأنّني على يقينٍ أنّ هناك الكثير من القضايا لنلتزم بها والحياة قصيرة. وكلّ واحدٍ يسعى ما استطاع كي يخفّف من حمأة القضايا ورعب الحاضر.

وبالنّسبة إلى الفنّان زياد الرّحباني، هل تفهم تقلّباته السّياسيّة؟

بالنسّبة إليّ لا أستطيع سبر أغوار  زياد. حتّى مارسيل، قريبي، لا أستطيع فهمه دائماً. وكما يقولون في الكنيسة عندنا «اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم» إن كانت أفعالهم أو أيضاً أقوالهم لا تعجبنا.

أشعر أنّه جوابٌ قد يطلقه البطريرك صفير بحيث لا يوضح المعنى؟

(ضحك) والمعنى في قلب المحاوِر والمحاوَر.

مقالات قد تثير اهتمامك