The voice kids يستشرس والاولاد يتساقطون

نبيل علام
هل تذكرون مدرسة المذيع الفرنسي جاك مارتان للهواة L école des funs؟ هذا البرنامج التلفزيوني الذي امتد نحو 22 عاماً بين 1976 و 1998، حيث تبارى على الغناء او العزف اطفال بين الثالثة والعشر سنوات ليفوز الجميع في ختام الحلقة بعد ان يضع الاطفال علامات بعضهم البعض بين الرقم واحد وعشرة، وحيث الهدايا بسيطة يقدمها الفنان الذي يشاركهم الغناء؟ كانت هكذا برامج تأخذ بالاعتبار اعمار المشاركين فلا تزجّهم في مسائل ربح وخسارة، ولا تعرّضهم لمشاعر قوية وهدامة او تغرّهم مثلما تغرّ عائلاتهم بالشهرة والمال والتفوّق العابر في الحلقة على حساب مواهب وطاقات اعمق في الاولاد. لم تكن التلفزة في العالم قد بلغت ما بلغته في العقدين الاخيرين، خاصة في الولايات المتحدة، من تغوّل انتاجٍ يسحق الوعي العام ويتلاعب بالمشاهدين مولّداً لديهم رغبات موهماً ان بها سعادتهم وهناءهم. 
The voice kids في نسخته العربية كما في سائر نسخاته يعتمد مع الاولاد مبدأ المنافسة الشرسة حيث السقوط المدوّي لا يخفف منه كلام مذيعة او فنان، وقد لا يستطيع الاهل والمتابعة النفسية لاختصاصيّ البرنامج محو آثاره على مئات المشاركين الصغار ممن سيتساقطون جميعاً على مذبح الفائز الواحد، وقد يكون الفائز بدوره خاسراً لجهة تأثير عناصر اللعبة التلفزيونية وبهرجاتها على شخصيته ومحيطه. 
وعلى الرغم من التغيير الطفيف الذي طرأ على Format البرنامج بعد انتقادات تعرض لها في عدد من البلدان، ما زال علماء نفس واجتماع يرون فيه افتئاتاً على الطفولة وإعداداً مبكراً جداً للاولاد على ما ينتظرهم في مجتمع يقوم على المنافسة والجشع ونجاح يلغي الآخرين وقد يدمّرهم. 
لم يعد التلفزيون اداة تثقيف تحترم المبادئ العامة التي تنص عليها دفاتر الشروط المرفقة برخصة البث التلفزيوني. ولم يعد النقاش بين المنتجين حول "الرسالة" الفنية او التربوية الواجب ايصالها مع المتعة، بل كيف نزيد نسبة المشاهدة لتحطيم البرامج المنافِسة والحصول على عائدات اعلانية هائلة. بهذا المعنى فإن التلفزيون انعكاس آخر للرأسمالية في طورها الاخير حيث يسعى صاحب رأس المال الى تحقيق المزيد من الارباح بسرعة هائلة ودون اعتبارٍ اجتماعي او اخلاقيّ تجاه المشاهد والمجتمع والقانون الذي نال على اساسه حقّ البث المرئيّ والمسموع. فهذا البث انما يساهم في تشكيل قيم المجتمعات وصوغ ذائقتها وتفتيح وعيها او تعليبه. بالتالي ليست الفضائيات شركات تجارية وحسب، كما تحب ان تطلق على شخصيتها لتبرير هكذا برمجة وانتاج، بل انها تستهلك الهواء الوطني، واليوم الهواء العولميّ، وعليها بالتالي واجبات قانونية، على الاقل،  تجاه الدولة الوطنية في حد ادنى.

مقالات قد تثير اهتمامك