حين يُستغَل عَوَز الفنان من أجل سكوب إعلامي

في العالم العربي كل شيء مُباح والمهنية غدت عملةً نادرة ؛ في سبيل الكسب المادي والتجارة المتفلِّتة من الأخلاقيات المهنية تستسهل الصحافة الصفراء فعل كل ما يلزم ويبرّرون الصحافيون الجدد ذلك بما يطلقون عليه " هيك الشعب بدو " ومقولة السكوب الإعلامي.

إن بعض جهابذة الإعلام لا يتوانون أبداً في إستعمال الأساليب الملتوية لإفتعال الإثارة وقد غدا عدد المشاهدات والقراءات هو العنصر المحرِّض الذي يتمسك بِه هؤلاء لتبيان " لمعانهم " الإعلامي الذي لا يتعدى كونه قنبلة صوتية لا تلبث أن تتبدّد في سماء الفن الحقيقي والأصول والأخلاقيات التي تسيّر حياتنا جميعاً في مختلف الصُعُد.

لقد شاهدنا مؤخراً مأساة إنسانية تم تظهيرها على الشاشة لتشكل صدمة إيجابية تحصد تعاطف وغصب المشاهدين ، لكن ما حدث كان عكس ذلك إذ أن تم خلالها التعدي على حرمة فنان وخصوصيته والمس بكرامته عن طريق الإستعطاف المبتذل لحالته المادية المذرية التي وصل إليها هذا الفنان عنيتُ به الأستاذ صلاح تيزاني الملقَّب ب " أبو سليم الطبل " الذي حفر في مخيلتنا أجمل فن شعبي وأضحكنا هو وفرقته الفنية لسنوات طويلة.

لم تحصد المقابلة في وجداني سوى ردة فعل وحيدة وهي رفضي للتجارة بمآسي الناس وإستغلال فنان كوميدي كبير بحجم صلاح تيزاني. إن كان لي من نصيحة الى كل فنانين العالم العربي عامةً ولبنان خاصةً فهي :لا تتكلوا على " الدولة " والجهات " الرسمية المعنية " >
فنَّكم وإبداعكم مسؤوليتكم وكذلك مستقبلكم وتأمين آخرتكم. إستثمروا في عائلاتكم وأولادكم وتعليمهم لأنهم هم وحدهم ضمانتكم ومن سيقف بجانبكم في مرحلة كبر السن ويحمونكم من العَوَز.

لا تدعوا صائدي السكوبات الإعلامية يستغلونكم على الشاشات ويذلونكم أمام ملايين المشاهدين ويركبون نهر دموعكم الصادقة نحو مصبّات مجدهم الرخيص.

من الراحلة المطربة صباح الى الممثل القدير صلاح تيزاني الملقب ب " أبو سليم الطبل "، المشكلة ذاتها وليس الحل بملامة الدولة التي هي بالأصل غير موجودة ،إستثمروا في ذواتكم وفي أولادكم الأبرار إن وُجِدوا. ألمّ تُبذّر صباح طوال حياتنا وتنفق المال يميناً ويساراً ولم تعمل بحكمة من أجل آخرتها ؟ أليس من واجب أولادها الطبيب في الولايات المتحدة ضمان شيخوختها وكذلك واجب إبنتها الممثلة هويدا... لما نُخطىء ونرمي حملنا على الدولة ، الفنان الكبير هو من يقدّم للدولة والوطن لآخر يوم في حياته.

إبتعدوا... إبتعدوا في آخر أيام حياتكم عن الظهور الإعلامي كي لا تُقدّموا أنفسكم وتاريخكم الفني العريق طبقاً شهيّاً للمستغلّين الطامحين للمجد من باب التجارة والسكوبات التي لا تراعي حرمة الفنّان المسنّ وخصوصية حسن الآخرة.

كلمة أخيرة أوجهها الى جوهرة لبنان ، الى مجد لبنان السيدة فيروز : أحبُّكِ مع الوقت أكثر لأنك صُنتِ مجدك ونفسك بعيداً عن الإعلام بحكمتك وكبرك وعدم إنتظار لا دولة ولا غيرها في مسيرتك المكللة بالغار والرقي والفن المكتمل.

لسنا في دولة عصرية ولا جمهورية أفلاطون . الفن إبداع ولكنه مهنة وصناعة وإنتاج وإذا لم يكن فيه مردود مادي يضمن مستقبل الفنان فيعني ذلك أن هناك مشكلة.

توقفوا عن لوم الدولة أيها الفنانون ، فقط لوموا أنفسكم وأحسنوا التصرف وإضمنوا آخرتكم من زهرة إنتاجكم وأنتم في عزّ عطائكم وفي مرحلة الشباب.

حمى الله لبنان وبلاد العرب وأعزَّ الفن الأصيل وحمانا جميعاً من متسلقي جبال المجد بأساليب ملتوية لا تعدو كونها إبتذال لا يغني ولا يسدّ حاجة ولا يُقدّم رسالة سامية راقية تفيد الفن والمجتمع.

مقالات قد تثير اهتمامك