يوم كتب أنسي الحاج عن فاتن حمامة و"الحسناء"

في منتصف ستّينات القرن الماضي زارت بطلة «دعاء الكروان» وزوجها عمر الشريف بيروت. كنتُ، إلى جانب عملي في «النهار»، أترأس تحرير مجلّة «الحسناء» التي كادت تتحوّل معي إلى مجلّة أدبيّة. كانت سونيا بيروتي كبرى المحرّرات في المجلّة وعلى صلةٍ بمعظم المشاهير. فاتحتُها، كما فاتحتُ رفيقتنا حنان الشيخ، (ولا أذكر إن كان الزميل رفيق خوري قد انضمّ إلينا يومها) في شأن إجراءِ مقابلةٍ مع فاتن حمامة تكون موضوع غلاف العدد. قالت نحاول. كانت مكاتب «الحسناء» تحتلّ مكان «النهار» القديمة في سوق الطويلة، وكان الوصول إليها يقتضي صعود دَرَج ضيّق مُعتم من عهد العثمانيّين له أوّل وليس له آخر. وعِوضَ أن أقوم أنا وسونيا وحنان والمصوّر وسائر الفريق بزيارة الفنّانة الكبيرة في الفندق كما يقتضي الواجب والذوق، فوجئتُ بفاتن حمامة تدلف من الدرج العثمانيّ وتسألني: «إزيَّك يا أستاذ أُنسي؟».

 كان وجهها الملهم قد سكنني كما سكن الملايين من زمان عبر أفلامها، (بدأتْ أوّل أدوارها في الخامسة أو السّادسة من عمرها مع محمد عبد الوهاب في فيلم «يوم سعيد»)، لكنّي لم أكن أتوقّع هذا السّحر، هذا القُرب، هذا التواضع المُربك. كان وِبالاً عليّ أن أسمع اسمي بصوتها، فلم أعد من بعدها أستطيبه من فم أحد.

فاتن حمامة أرقى صورة عن الفنّ المصريّ، موقظةُ أخطر شعوريْن في المُشاهد: الإعجاب والذنب.

أمضت فاتن معنا في «الحسناء» بضع ساعات لن أنساها. أجابت عن كلّ الأسئلة وكأنّها تعرفنا ونعرفها من مئة سنة. تحوّلت المجلّة وسوق الطويلة وبيروت إلى حقول مغناطيسيّة خلقها حضور فاتن وعيناها المستعصيتان على الوصف وصوتها الذي، بجاذبيّاته المتعدّدة، يتحوّل إلى قلب بجانب قلبك، الأوّل يُداعب الثاني والثاني يقول لنفسه: إنّها نعمةٌ لا أستحقّها.

(2013، من «موقع انسي الحاج»)

مقالات قد تثير اهتمامك