مصيــر وظيفتــك بيـــد مواقع التّواصل الاجتماعيّ...

إلى أيّ حدٍّ يؤثّر النّشاط الزّائد للفرد على شبكات التّواصل الاجتماعيّ في قبوله لمنصبٍ ما أو وظيفةٍ معيّنة؟ وإلى أيّ مدًى يعلم المستخدمون مخاطر عرض انتماءاتهم الدّينيّة والسّياسيّة وآرائهم الشّخصيّة على مثل هذه المواقع المُراقبة دوماً من المديرين وأصحاب العمل، وحتّى من الموظّفين أنفسهم الذين يسهل عليهم الادّعاء على زميلٍ لهم كَتَب على صفحته ما لا يتناسب مع توجّهات شركته، أو ما يُسيء إلى الآخر، فيُفصل عن العمل؟ 

هذه هي الحال التي آلت إليها أُسُس التّوظيف أخيراً في العالم كلّه، لنرى كم أن التّعصّب دينيّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً، إن كان من المشترك نفسه أو من صاحب العمل، عاد ليبُثّ سمومه في مواقع التّواصل الاجتماعيّ مُتناسياً حرّيّة الفرد في التّعبير عن رأيه، طبعاً، ضمن الأخلاقيّات اللاّزمة وعدم توجيه الإهانات والمسّ بكرامة الآخر.

«الشّعارات» على حساب المهارات

في الواقع، يحقّ لمستخدم هذه المواقع أن يُظهر انتماءه من دون أن يُعاقب عليه من صاحب العمل المُختلف معه في الرّأي، وفي المقابل يحقّ لصاحب العمل نفسه أن يطرد موظّفاً لديه أهان ديناً معيّناً أو أظهر العنصريّة الشّرسة على صفحته، ولكنْ ما يحصل اليوم، هو أنّ قبول المتقدِّم إلى وظيفةٍ ما أو رفضه يتمّ بناءً على ما يكتبه في صفحته، وعلى شعاراته الدّينيّة والمذهبيّة والحزبيّة من دون الأخذ بقدراته ومهاراته وخبراته العمليّة.
الإعلاميّة أوكتافيا نصر هي أفضل مثالٍ على ذلك، إذْ بعد عملها الدّؤوب كرئيسة قسم الشّرق الأوسط في شبكة الـ CNN مدّة عشرين عاماً، تمّ طردها في العام 2010 من الشّبكة عقب تعليقٍ لها على موقع «تويتر» عبّرت فيه عن حزنها الشّديد على موت العلاّمة الشّيخ محمد حسين فضل الله مُظهرةً احترامها الكبير له. وبعد أن نقل أحد مراقبي الإعلام تعليقها، شنّت القنوات «الإسرائيليّة» والأميركيّة حرباً كلاميّةً قاسيةً عليها لتُعلن بعدها قناة الـ CNN طردها من عملها.

البحث سيتمّ لا محالة

ومن إحدى الشّهادات الحيّة في لبنان، الشّاب داني الذي تقدّم لطلب وظيفةٍ في إحدى الشّركات في بيروت حيث تمّ التّرحيب بشهاداته ومهاراته في المجال المطلوب، وحُدِّد له موعدٌ لتقديم امتحان، وحين أتى في الموعد المحدّد قيل له: «لا داعي للامتحان فقد تمّ رفضك»! ثمّ عَلِم لاحقاً من أحد موظّفي الشّركة أنّه تمّ البحث عنه على الـ «فيس بوك» و«تويتر» حيث تبيّن من تعليقاته وتغريداته أنّه يُناصر حزباً معيّناً ما أثار انزعاج المدير الذي طلب رفضه على الفور. 
من هنا ينصح العديد من خبراء التّواصل الاجتماعيّ المستخدمين بالتّفكير جيّداً قبل كتابة أيّ حالةٍ أو شعارٍ للعامّة، ولكي لا يُصبحوا عُرضةً للبطالة أو لخسارة وظائفهم أو للملاحقات القانونيّة. وقد أفادت دراسةٌ جَرت في العام 2009 أنّ 8% من الموظّفين تمّ توقيفهم عن العمل بسبب سوء استخدام هذه المواقع.

لم ينفع الاعتذار! 

أيضاً أجرت إحدى الصّحف الأميركيّة استطلاعاً للرّأي نشرته شركة «JobVite» الأميركيّة يُفيد أنّ 92% من أصحاب العمل والمديرين العامّين يستخدمون الشّبكات الاجتماعيّة من أجل التّوظيف، ويولون اهتماماً كبيراً لأسلوب الكتابة وقواعدها التي يعتمدها الفرد على مواقع «لينكد إن» و«فيس بوك» و«تويتر». وأفاد الاستطلاع أنّه حتّى إنْ لم يُزوِّد الشّخص نفسه مسؤولي التّوظيف بعنوانه على الشّبكات الاجتماعيّة فإنّ 73% منهم سيبحثون عنه ويتحقّقون منه في كلّ الأحوال.  
إذا، من المهمّ جدّاً من أجل الحصول على وظيفة، أن يكون المرء موجوداً على شبكات التّواصل الاجتماعيّ ليُثبت نفسه، لكنْ تعليقاته التي يكتبها سوف تنعكس عليه سلباً أو إيجاباً. فالشّخص الذي يُظهر مساهمته في أعمالٍ خيريّةٍ وإنسانيّةٍ وتطوّعيّةٍ يُقبل بنسبةٍ عاليةٍ، أمّا مَن يتحدّث عن الكحول، والجنس، والمخدّرات، ويُطلق العبارات البذيئة فيُرفض، وهناك حالاتٌ تستحقّ فعلاً أن تُطرد! ففي بريطانيا أوقفت السّلطات الطّبّيّة الممرّضة أليسون ماري هوبتون في دار مأوى للأطفال عن عملها مدّة ستّة أشهرٍ بسبب الكلمات الجارحة والعبارات البذيئة التي أطلقتها على صفحتها على الـ «فيس بوك» تجاه الدّار  بعد حالة غضبٍ شديدةٍ أصيبت بها. وعلى الرّغم من اعتذارها واعترافها بأنّها ارتكبت عملاً غبيّاً وغير مسؤول، إلاّ أنّ مجلس التّمريض والتّوليد أكّد أنّ تصرّفها هذا سوف ينعكس سلباً على وظيفتها، لأنّ طبيعة الممرّضة يجب أن تكون متوازنةً ومحترمةً كي تكسب ثقة النّاس في مهنتها. وحين كانت الممرّضة تُدافع عن نفسها، قالت إنّه لم يُشاهد تعليقاتها سوى أصدقائها، لكنّ المجلس أشار إلى أنّ هناك مستخدمين آخرين يُمكنهم الوصول إلى صفحتها، فإحدى زميلاتها السّابقات أطلعت رؤساءها على تعليقاتها البذيئة.

عنصريّةٌ شديدة 

في أميركا أيضاً، فُصلت دنيز هيلمز عن عملها وتمّت ملاحقتها من مكتب الخدمات السّرّيّة بسبب تعليقها على صفحتها الخاصّة على «فيس بوك» عقب فوز الرّئيس الأميركيّ باراك أوباما بمدّةٍ رئاسيّةٍ جديدةٍ في الانتخابات الأخيرة، حيث كتبت: «أربع سنواتٍ أخرى لهذا الأسود... من الممكن أن يتمّ اغتياله في هذه المدّة»، وعلى الرّغم من حذفها هذا التّعليق فور استدراكها خطورته، إلاّ أنّ أحد النّاشطين كان قد نسخه ووثّقه وأعاد نشره في موقع «تويتر». وقد تعرّضت دنيز لهجومٍ شديدٍ بسبب استخدامها كلمة «أسود» وما تحمله من عنصريّةٍ شديدة. ولم يفدها اعتذارها إلى الرّئيس أوباما بشيء، لأنّ الشّركة حيث كانت تعمل طردتها على الفور واعتذرت بدورها عن التّعليق العنصريّ الذي صدر عن «أحد موظّفيها السّابقين».
ومن الولايات المتّحدة أيضاً، نقلت شبكة «الألوكة» أنّ مساعِدة مدير محل «Walmart» البالغة من العمر 54 عاماً قامت بوضع صورةٍ لامرأتَين محجّبتَين ترتديان ملابسهما السّوداء التّقليديّة على صفحتها  الخاصّة على الإنترنت، وكتبت تحت الصّورة: «لقد جاء عيد الهالوين هذا العام مُبكّراً، هل هناك من داعٍ لارتداء مثل هذه الملابس؟ أنتما في بلادي الآن، اخلعا هذا الرّداء القبيح». وقد رأى أحد مسلمي المنطقة هذا التّعليق ورفعه إلى مجلس العلاقات الأميركيّة الإسلاميّة الذي تواصل بدوره مع إدارة المحلّ ليتمّ فصلها على الفور بالرّغم من تصريحها أنّ تعليقها كان مزحةً فقط!
وفي كندا قدّمت إحدى الموظّفات إجازةً مرضيّةً إلى رئيس عملها وغابت عن العمل أيّاماً عدّة، وكانت المفاجأة أن يرى رئيسها صوراً وكلماتٍ لها على الـ «فيس بوك» تدلّ على أنّها في رحلة استجمامٍ سياحيّةٍ إلى إحدى الجزر. ولدى عودتها إلى العمل تلقّت ورقة فصلها نهائيّاً.
إنّ وسائل التّواصل الاجتماعيّ قد تكون وسيلةً جديدةً لك لإيجاد عملٍ والتّواصل مع الأشخاص الّذين يستطيعون مساعدتك على إيجاد فرص عمل، لذا، لا تجعل المطاف يتنهي بك مثل أولئك الأشخاص، فحالما تقوم بتأسيس صفحاتك الشّخصيّة على مواقع التّواصل الاجتماعيّ انتبه لما تكتبه في صفحة الملفّ الشّخصيّ لكي تتدارك ما لا تُحمد عقباه.

مقالات قد تثير اهتمامك