عالم المخدرات: أكثر من 150 نوعاً جديداً وفشـلٌ في العلاج!

 هيرويين، كوكايين، حشيش... أسماءٌ نأتي على ذكرها دائماً عندما نتحدّث عن موضوع الإدمان. لكنّنا نكون مخطئين إذا لم نوسّع الدّائرة ونتحدَّث عن موادَّ أخرى دخلت منذ زمنٍ قريبٍ أو بعيدٍ إلى هذا العالم وعرفت انتشاراً واسعاً فيه. فهناك مثلاً حبوب السّعادة أو الإكستاسي،، والمورفين، والكبتاغون، والسّيلفيا، والكيتامين، وغيرها...

هذا الانتشار ساهم في تضاعف عدد المدمنين - سنويّاً - الذين يقصدون جمعيّة جاد - شبيبة ضدّ المخدرات بهدف العلاج، ما يؤكّد تفاقم مشكلة الإدمان في لبنان وبخاصّةٍ في السّنوات الثّلاث الأخيرة. وبحسب رئيس الجمعيّة جوزيف حوّاط فإنّ الخطر يكمُن أيضاً في انخفاض مستوى أعمار المدمنين في السّنوات العشر الأخيرة انخفاضاً مخيفاً، إذ وصل إلى مَن هم في السّادسة عشرة من العمر بعدما كان يطال الفئات الثّلاثينيّة والعشرينيّة كحدٍّ أدنى. وهناك أيضاً ارتفاعٌ في نسبة الإناث المُدمنات، إذ وصلت إلى 30% تقريباً، ومنهنّ من دخلنَ إلى عالم التّجارة والتّرويج، وهذا الأمر لم يكن موجوداً قبل عامَين أو ثلاثة أعوام، وفق حوّاط.

«دليفري» أينما كنت!

نوعيّة الغذاء الذي نتناولهقد يجرّنا نحو الإدمان

ويُضيف حوّاط قائلاً: «إنّ توفّر الموادّ المخدِّرة بكثرةٍ في السّوق اللّبنانيّ وعدم سيطرة الدّولة على الأمر ساهم في هذا الازدياد الهائل لعدد المدمنين، وبخاصّةٍ أنّ الحصول على المخدّرات أضحى أمراً سهلاً جدّاً، إذْ يُمكن أن تصل إلى المدمن «دليفري».

أمّا د. نبيل خوري، الاختصاصيّ في علم النّفس العياديّ والتّوجيه العائليّ والجنسيّ، فيُعيد أسباب زيادة انتشار حالات الإدمان بقوّةٍ «إلى عواملَ نفسيّةٍ - اجتماعيّةٍ غير جديدةٍ في التّاريخ، بالإضافة إلى عواملَ عصريّةٍ ساهمت في هذا الارتفاع، منها زيادة الأوقات المُتعبة، وحالات التّشنّج، وانفتاح العالم على بعضه، وانتشار الإعلام الغربيّ الموجّه نحو الإعلام الشّرقيّ توجيهًا هجوميّاً، وعمليّة الاكتشاف بواسطة الإنترنت ما يُثير حفيظة المراهق ورغبته في التّسلية واكتشاف الشّعور المختلف عن الذي اعتاده، هذا إلى جانب ظروف الحياة القاسية، كانتشار مشاكل الطّلاق، أو وفاة شابٍّ في العائلة، أو الانقسامات والخلافات العائليّة. وهناك عاملٌ آخر مهمٌّ جدّاً هو نوعيّة الغذاء الذي نتناوله، إذ يوجد الكثير من الدّراسات الصّادرة في الولايات المتحدّة الأميركيّة عن موضوع الموادّ الكيميائيّة التي تُعتمد في تخصيب التّربة أو تحسين حال النّبات، والمبيدات الزّراعيّة، ومختلف أنواع المنبّهات والمطيّبات والسّكر الاصطناعيّ، توكِّد أنّ هذه الموادّ تجعل الإنسان في حالةٍ من عدم الرّاحة والطّمأنينة، وتثير في النّظام العصبيّ حالاتٍ معيّنةً من التّشنّج الذي قد يكون في الفكر أو العلاقات أو تشنّجاً في التّصرّفات، فيبدأ الشّخص في البحث عن كيفيّة إزالة هذا القلق والاضطراب، فيأتي مَن يُعزّز له الفكرة القائلة إنّ المخدّرات هي الحلّ، ويقتنع بذلك غير القادر على التّحليل بمنطقٍ وعقلانيّة، فيدخل في المتاهة التي لا يعرف كيف يخرج منها».

62 مليون حبة كبتاغون ضُبطت في لبنان أثناء سنةٍ وشهرَين فقط!

يُدمنون أنواعاً عدّة...

من جهةٍ أخرى، إنّ كثرة الأنواع المتوفّرة حاليّاً من المخدّرات جعلت أشخاصاً كثيرين يدمنون على أكثر من نوعٍ واحد، ما خلق مشكلةً في العلاج المبنيّ أساساً على كيفيّة التّخلّص من الإدمان على نوعٍ واحدٍ من المخدّرات، وفق حوّاط الذي يتحدَّث في هذا الإطار عن عمل جمعيّة جاد - شبيبة ضدّ المخدرات حاليّاً على 150 نوعاً مستجدّاً في عالم الإدمان، وكانت قد استطاعت منع بعضها من الدّخول إلى الأسواق اللّبنانيّة بواسطة نشاطها مع أجهزة الدّولة المختصّة، ككحول البودرة التي يستطيع الشّخص أن يتنشّق منها كمّيّةً أكبر بكثيرٍ من تلك التي يشربها كسوائل، مع الإشارة إلى أنّ كلّ ظرفٍ يعادل قنينة، وهنا يكمن الخطر. وهناك أيضاً الكيتامين، وهو بنجٌ يُستخدم لتخدير الحيوانات، وقد انتشر فجأةً بكثرةٍ في الأسواق اللّبنانيّة كنوعٍ من المخدّرات، لكنّ الجمعيّة استطاعت حصر وجوده بين الأطبّاء البيطريّين ومنع بيعه إلاّ بناءً على وصفةٍ طبيّة. أمّا الكبتاغون، فقد تمّ ضبط 62 مليون حبّةٍ منه في لبنان أثناء سنةٍ وشهرين فقط! هذا بالإضافة إلى أنّ الجمعيّة تعمل على منع بيع بعض الأفلام التي تشجِّع على تعاطي المخدّرات أو عرضها في لبنان، ومُنعت أيضاً أغنيتان تشجِّع إحداهما على تعاطي الكوكايين وتُظهر كيفيّة فعل ذلك في الـ «فيديو كليب» الخاصّ بها.

تجدّد دائم

بدوره، يلفت د. نبيل خوري إلى «أنّ دخول أنواعٍ جديدةٍ من المخدّرات إلى هذا العالم هي مسألةٌ تأتي في إطار التّجدّد الدّائم. وقد وصل الأمر إلى أن أصبحت بعض أنواع الأدوية موادَّ مخدِّرةً لدى فئةٍ من النّاس، منها تلك التي تُوصف لحالة الإفراط في الحركة لدى الأطفال أو التي تُخفِّف منسوب القلق عند الإنسان وغيرها... فتناول كمياتٍ كبيرةٍ منها توصل الشّخص إلى حالةٍ من الإدمان».

مخدّراتٌ في المدارس

ومن القضايا المهمّة التي باتت تُثير جدلاً واسعاً في الآونة الأخيرة بين الأهالي تحديداً، هي انتشار المخدّرات في المدارس، وعن هذه المسألة يُعلّق د. خوري قائلاً: «إنّ المدارس هي الأرض الأنسب ليوظِّف فيها مروّجو المخدرات أعمالهم. فالمراهق ميّالٌ بطبعه إلى حالة التّمرّد، وهو بطريقةٍ أو بأخرى يُكرِّس وقتاً طويلاً للإنترنت ومشاهدة التّلفاز، وتحديداً أفلام العنف التي تُضخِّم دور المجرم وتصوِّره على أنّه يعيش في قصرٍ ويركب سيّاراتٍ فخمةً ومحاطٌ بنساءٍ جميلات. كلّ هذه الأمور تُحفِّز ذلك المراهق على سلوك اتّجاهٍ سلبيٍّ وتعزِّز روح التّمرّد لديه وتُطوّرها بقسوةٍ وقوّةٍ ضدّ أهله وضدّ سلطة الدّولة والمراجع الدّينيّة والمدارس، وضدّ الله أيضاً... ويغذّي المراهق هذه الرّوح التّمرّديّة بموسيقى الـ «راب» والـ «الهيب هوب» المستوردة من الخارج، التي هي ثورةٌ ونقمةٌ وشتائمُ بحقّ أجهزة الشّرطة والدّولة وكلّ ما شابه ذلك. وقد يلتقي بمَن يعرُض عليه تجربة سيجارة حشيش، ثمّ أخرى فأخرى إلى أن تُصبح هذه السّيجارة لا تسدّ حاجته، فينتقل إلى نوعٍ أثقل منها، وهكذا دواليك...».

المشاهير والإدمان

وبالنّسبة إلى قضيّة المشاهير والإدمان التي لطالما أثارت الجدل أيضاً في وسائل الإعلام، يلفت د. خوري إلى «أنّ هؤلاء الأشخاص الموهوبين لديهم مشاكلُ وتعقيداتٌ كبيرةٌ في حياتهم، فيلجؤون إلى المخدّرات بعد أن يحصلوا على أفخم مستلزمات الحياة، في محاولةٍ منهم لتحسين شروط حياتهم المزدحمة بالأعمال. هؤلاء المشاهير يُحبّهم مروّجو المخدّرات لأنّهم يتمتّعون بغطاءٍ إعلاميٍّ كبيرٍ جدّاً، ويتأثّر بهم المراهق، فيتمّ استغلال أثر هذا الأمر ليتحوّل هذا المراهق من معجبٍ إلى راغبٍ في التّماثل».ومن أبرز المشاهير الذين مرّوا بتجربة الإدمان محلّيّاً الملحِّن سمير صفير، الذي اعترف أنّه تعاطى الموادّ المخدِّرة أكثر من خمس سنوات، بعد أن غُرِّر به وصُوِّر إليه أنّ المخدّرات تفجِّر عبقريّته. إلاّ أنّه قرَّر الإقلاع عن هذه العادة السّيّئة، مشيراً إلى أنّ زوجته ساندته ووقفت إلى جانبه لتساعده في العودة إلى حياته التي كاد أن يدمِّرها الإدمان. وعربيّاً نذكر الممثِّل المصريّ فاروق الفيشاوي الذي صرَّح في برنامجٍ تلفزيونيٍّ أنّه كان يُدمن المخدرات، وأكَّد أنّه تجاوز هذه المرحلة الصّعبة والمؤلمة. أمّا عالميّاً، فهناك مايكل جاكسون الذي مات نتيجة تعاطيه جرعةً زائدةً من حبوب المخدّرات، وويتني هيوستن التي ماتت غرقاً في حوض الاستحمام بعد تعاطيها المخدّرات، وبراين جونز، وجيم موريسون، وجيمي هندريكس، وغيرهم الكثير...

لا يمكن إزالة حكم تعاطي المخدرات عن السّجل العدليّ قبل مرور 3 سنوات! 
معاقبة المُدمن؟!

ويبقى السّؤال الأخير الذي نطرحه هنا: هل ينبغي معاقبة المُدمن؟ الإجابة يقدِّمها لنا «سكون»، المركز اللّبنانيّ للإدمان، في حملة المناصرة العالميّة التي شارك فيها السّنة الثّالثة على التّوالي مع مؤسّسات المجتمع المدنيّ في لبنان و150 مدينةً حول العالم، يوم 26 حزيران/ يونيو تحت اسم «ندعم، لا نُعاقب»، بهدف تحسين السّياسات المتعلّقة بالمخدّرات وتقديم الخدمات والرّعاية الصّحّيّة وحقوق الإنسان على القوانين التي تُجرِّم وتعاقب متعاطي المخدّرات. وفي إطار هذه الحملة، تمّ تنظيم نشاطاتٍ للإضاءة على السّياسات المتعلّقة بالمخدرات في لبنان وعلى الأضرار الذي تسبِّبها تلك السّياسات، وذلك بتصوير فيلمَين قصيرَين تمّ عرضهما على صفحة «سكون» على موقع «فيس بوك»، وقد لقيا تفاعلاً كبيراً من المشاهدين.الفيلم الأوّل يُضيء على كيفيّة الاشتباه بمتعاطي المخدّرات وتوقيفه، وما يتبع ذلك من عدم احترام حقوق الإنسان ومخالفة القوانين اللّبنانيّة والعالميّة. يُبرز هذا الفيلم تّساؤلاً: هل توقيف متعاطي المخدّرات هو الحلّ لمشكلة المخدّرات في لبنان؟!

أمّا الشّريط الثّاني فيُسلّط الضّوء على مسألة ورود الأحكام المتعلّقة بتعاطي المخدرات على السّجلّ العدليّ لصاحب العلاقة، التي لا يمكن إزالتها قبل مرور ثلاث سنوات، ممّا يحدّ كثيراً من فرص عمله وتعليمه وإمكانيّة متابعة حياته متابعةً طبيعيّةً.

سياساتٌ غير فعّالة

تعليقاً على هذه الحملة، توضح ساندي متيرك، مسؤولة قسم السّياسات المتعلّقة بالمخدّرات في مركز «سكون»، «أنّ نتائج السّياسات المتعلّقة بالمخدّرات المتّبعة في لبنان ليست فعّالةً أبداً، ولا تحدّ من انتشار المخدّرات كما يجب». لذا، تدعو إلى «إعادة النّظر في تلك السّياسات، والتّوجّه نحو سياسةٍ متوازنةٍ صحّيّةٍ تحترم القوانين اللّبنانيّة والدّوليّة فيما يتعلّق بحقوق الإنسان، ولاسيّما أنّ الكثير من الدّول أثبتت نجاح مثل هذه السّياسة». وتأسف متيرك «على التّركيز الكبير الذي لا يزال يتمّ في لبنان على مسألة توقيف الأشخاص المشتبه بهم في تعاطي المخدّرات ومحاكمتهم بهدف الوصول إلى التّجّار والمروّجين، مع العلم أنّه بات معروفاً أنّ هذه السّياسة ليست فعّالةً لهذا الهدف، فمتعاطي المخدّرات ينبغي أن يتحوّل مباشرةً إلى العلاج وتتوقّف ملاحقته فور تعهّده بذلك، بحسب ما ينصّ عليه القانون اللّبنانيّ. لكنّ نسبة 3% فقط من الموقوفين يتوجّهون نحو العلاج، وهي نسبةٌ ضئيلةٌ جدّاً». وتضيف متيرك: «ينبغي أن يكون لدى المسؤولين دليلٌ حسّيٌّ ومادّيٌّ ملموسٌ كي يتمّ توقيف أيّ شخص، وليس للاشتباه به فقط. وينبغي التّوقّف عن إساءة معاملة الشّخص الموقوف التي تتمّ داخل النّظارة وتعذيبه جسديّاًونفسيّاً، بل احترام حقوقه كمشتبهٍ به، وكمواطنٍ وكإنسان».

إشاراتٌ أوّليّةٌ للإدمان

لكلّ شخصٍ يتعاطى المخدّرات أداءٌ وتصرّفٌ معيّن، فقد نلاحظ مثلاً: فقدان أموالٍ من المنزل أو أغراضٍ أخرى، تراجعاً في التّحصيل الدّراسيّ، كذباً، ضعفاً في الانسجام وأداء الواجبات العائليّة، سهراً طيلة اللّيل خارج المنزل ونوماً طيلة النّهار، اعتماد الصّداقات خارج إطار المنزل، وصولاً إلى انتزاع النّفس من بوتقةٍ عائليّةٍ معيّنةٍ وإدخالها في بوتقةٍ اجتماعيّةٍ مختلفةٍ تحلّ مكان العائلة. بالإضافة إلى الاسوداد تحت العينَين وضربات إبرٍ في الأيدي.

إشاراتٌ متقدِّمةٌ وخطرةٌ للإدمان

يظهر على المدمن بعامّةٍ ضعفٌ في المظهر الخارجيّ، ورجفةٌ في اليدَين، وقلّة تركيز، وحوَلٌ في العينَين، وتعرّقٌ أثناء البرد أو العكس، ونوبات غضبٍ متسارعة، وانتفاضٌ على كلّ شيء ورفضٌ لكلّ مستجدّات الحياة... وهناك أيضاً إشاراتٌ خاصّةٌ بكلّ نوع إدمان، منها:

  • مدمن الحشيش: بياض عينه شديد الحُمرة. يتناول الكثير من الحلوى والسّكّريّات، ويصل إلى مرحلة أكل السّكّر بالملعقة.
  • مدمن الكوكايين: بؤبؤ عينه كبيرٌ جدّاً. ينقطع عن الأكل مدّة يومَين أو ثلاثة أيّام، ثمّ يستيقظ ليلاً ليأكل بشراهة.
  • مدمن الهيرويين: بؤبؤ عينه صغيرٌ جدّاً. ينقطع عن الأكل، ليُصبح نحيلاً جدّاً.
الحشيش والإبداع...

بحسب تقارير منظّمة الصّحّة العالميّة والهيئات العالميّة المنبثقة عن الأمم المتّحدة الخاصّة بمكافحة المخدّرات، فإنّ الحشيش هو أكثر مادّةٍ مخُدِّرةٍ مُستخدمة عالميّاً. البعض يروّج بأنّ الحشيش يُساعد على الإبداع، ممّا يدفع بعض الكتّاب والفنّانين إلى تدخينه! وهناك العديد من الأساتذة والاختصاصيّين يصرِّحون على الإعلام بأنّ الحشيش لا يؤدّي إلى إدمان، وهناك سياسيّون يتحدّثون عن جدوى تشريع هذه الزّراعة في لبنان. تعليقاً على ذلك، يوضح د. نبيل خوري بأنّ «إنّ ضرر سيجارة الحشيش على المدى البعيد، قاسٍ وخطرٌ ومؤذٍ لكلّ خلايا الدّماغ، إذ تؤدّي إلى ضعفٍ في التّفكير والذّكاء التّحليليّ، وتمحي من مخزون الذّاكرة معلوماتٍ حفظناها ونقلناها في مدّة الطّفولة الأولى والمراهقة».

مقالات قد تثير اهتمامك