السّبــايـا لـؤلـؤ الخراب
السّبــايـا لـؤلـؤ الخراب

السّبــايـا لـؤلـؤ الخراب

حرّك «سوق السّبايا» التي أقامها تنظيم «داعش» إشكاليّة الاسترقاق والسّبايا في الأديان بعد أن كانت السّعودية قد أعلنت مطلع ستينيّات القرن الماضي «إلغاء تطبيق» نظام الرّقّ. ويتنافس اليمن اليوم مع موريتانيا لجهة أعداد الذين يعيشون حياة العبوديّة، رجالاً ونساءً، وهو المُصَدِّر الأبرز إلى بعض دول الخليج والشّرق الأوسط، تليه مناطقُ تابعةٌ للطّوارق في شمال أفريقيا (حيث المسوّغ عاداتٌ وتقاليدُ بالإضافة إلى الحاجة الاقتصاديّة) وجنوب السّودان والصّومال.

«الحسناء» تسأل في هذا التحقيق الخاصّ عن مفهوم السّبايا في الأديان إذ تتذرّع الحركات المتطرّفة بالنّصوص والتّاريخ لتسويغ ممارساتها. تُرى هل أعاد العُنف المتفشّي تحريك الشّبق الجنسيّ في الخيال الجماعيّ للعرب والعالم بأسره؟

30 مليون عبدٍ وعبدةٍ في العالم المعاصر!

يعتدي مقاتلو «الدّولة الإسلاميّة» على الفتيات بدءاً من سنّ الثّانية عشرة ويغلّفون ارتكاباتهم بالصّلاة. هذا ما يخلص إليه تحقيقٌ نشرته صحيفة «النّيويورك تايمس» تستند فيه إلى شهادات أكثر من 21 امرأةً فَرَرْنَ من «داعش». ويستغلّ التّنظيم الوعود برقٍّ جنسيٍّ كأداة تجنيد مقاتلين من مجتمعاتٍ محافظةٍ لا تبيح الجنس قبل الزّواج.
وتروي الصّحيفة: قُبيل اغتصابه ابنة الثّانية عشرة، يأخذ المقاتل الدّاعشيّ وقته ليشرح أنّ ما سيقوم به ليس حراماً. ولأنّ الضّحيّة تنتمي الى دينٍ غير الإسلام ، فإنّ «القرآن لا يعطيه فحسب الحقّ في اغتصابها، وإنّما يشجّعه على ذلك» بحسب قوله.

وبعد أن قّيّد يدَيها وكمّ فمها، ركع إلى جانب السّرير وسجد للصّلاة قبل أن يعتليها. وعندما انتهى، ركع مجدّداً للصّلاة، مُغلّفاً الاغتصاب بأفعالٍ تعكس تقوى دينيّة. وتروي الفتاة النّحيفة جدّاً في مقابلةٍ معها في مخيّمٍ للاّجئين هربت إليه قبل 11 شهراً: «قال لي إنّه وفقاً للإسلام، يُسمح له باغتصاب شخصٍ كافر. وإنّه باغتصابي يقترب أكثر من الله».
وفي المحصّلة خطفت «داعش» نحو 5270 إيزيديّةً العام الماضي، بينهنّ 3144 لا يزلنَ محتجزات، كما قال زعماءُ في الطّائفة. وقد وضع التّنظيم خطّةً مفصّلةً للرّقّ الجنسيّ، بما فيها عقود بيعٍ موثّقة من المحاكم الإسلاميّة التي تديرها.

الشّيخ سبيتي: السّبيُ لم يعد مقبولاً

على الرّغم من أنّ القرآن الكريم «يحفل بجملةٍ من النّصوص تُبيح للرّجل أن يستمتع بالمرأة إذا كانت «ملك اليمين»، وملك اليمين هي المرأة التي كانت جزءاً من غنائم الحرب، أو التي يشتريها من سوق النّخاسة، إلاّ أنّه علينا أن نقرأ هذه الظّاهرة بحسب زمانها ومفاهيمه وليس بحسب زماننا ومفاهيمه. وما كان يصحّ في الماضي لا يصحّ اليوم لأنّ ما ساد من الأعراف العامّة في زمان التّشريع الإسلاميّ قد تغيّر وتطوّر». هكذا يقول الشّيخ يوسف سبيتي لـ «الحسناء» مُتابعاً «أنّ القرآن الكريم لم يُشرّع السّبي صريحاً، ولم تأتِ آيةٌ تقول إنّه جائز. كلّ ما هنالك أنّ آياتٍ تحدّثت عن أحكامٍ لأمرٍ موجودٍ لا يُمكن تركه من دون تنظيم». وإذ يُلاحظ أنّ السّبيَ والاسترقاق ظاهرةٌ عرفتها كلّ المجتمعات البشريّة حتّى التي كانت تُعدّ حضاريّة، كالرّومانيّة والفرعونيّة والآشوريّة، «إلاّ أنّ المجتمع البشريّ بات أكثر تحضّراً ولم يعد يتقبّلها. بل إنّ هناك قوانينَ واتّفاقاتٍ دوليّةً خاصّةً بأسرى الحرب»، مشيراً إلى فقراتٍ وموادَّ في اتّفاق جنيف.

أسرى المعارك

ويقول الشّيخ سبيتي، من المكتب الشّرعيّ في مؤسّسة السّيّد محمد حسين فضل الله، إنّ القرآن الكريم لم يسمح للرّسول أو للمسلمين بأن يأخذوا أحداً من المشركين تحت عنوان «أسرى» إلاّ إذا حصلت معركة. وإنّ هذا الأسير لا يبقى مع المسلمين بل هم أمام أحد خيارَين: إمّا إطلاقه بلا مقابلٍ وإمّا إطلاقه مقابل فدية، مُستشهداً بالآيتَين: «ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض» (سورة الأنفال، الآية 67) و»فإذا لقِيتُمُ  الذين كفروا فضَرب الرّقابِ حتّى إذا أثخنتمُوهم فشدّوا الوثاقَ فإمّا مَنّاً بعدُ وإمّا فداء» (سورة محمّد، الآية 4). إذاً، يعلّق الشّيخ سبيتي، «من الواضح أنّنا لا نجد بين هذين الحُكمَين، الاسترقاق أو العبوديّة أو السّبي».

ليُضيف: «لم يقمِ الرّسول في كلّ حروبه بسبي النّساء. ففي معركة بدر مثلاً كان المنتصر والنّساء موجودات ولم تتحدّث الرّوايات التّاريخيّة عن استيلائه على نساءٍ كنّ في أرض المعركة. كذلك الحال عندما دخل النبيّ مكّة فاتحاً، كان كلّ ما فعله هو أن أعطى النّاس الأمان: «من دخل داره فهو آمن». إنّ الحال الوحيدة التي حصل فيها سبيٌ للنّساء كانت حال بني قريظة، وهي استثنائيّةٌ تحتاج بحثاً مُعمَّقاً لأنّها مُخالفةٌ للنّصّ القرآنيّ وكلّ سيرة رسول الله في كلّ حروبه حتّى مع اليهود من غير بني قريظة».

مقالات قد تثير اهتمامك