كيـف أتـواصـل معـه مــن دون أن ألغـيَ ذاتي؟

لماذا زوجي لا يُعبّر لي أكثر عن مشاعره؟ لماذا أشعر دائماً أنّه عليّ سحب الكلام منه بالقوّة؟ لماذا لا أفهم ما يجري داخل رأس زوجتي، و لماذا لا تكفّ عن انتقادي في كلّ شاردةٍ وواردة؟

هذا نموذجٌ من الأسئلة التي نسمعها غالباً من الأزواج الذين يطلبون استشارةً نفسيّة، وغيرها من الأسئلة التي تُظهر أنّ كلاًّ من الشّريكَين يشعر بغربةٍ عن الآخر، وأنّه لا يُدرك كفايةً خريطة تفكيره، وشعوره، وسلوكه داخل العلاقة.

لذلك، إنّ التّواصل الصّحيّ والبنّاء يلعب دوراً مهمّاً في خلق ديناميكيّةٍ إيجابيّةٍ في نوعيّة الشّراكة التي تجمع بين الزَّوجَين. لكنْ، كيف يُمكن استخدام هذا التّواصل بطريقةٍ ناجحة، وتجنّب الأساليب المدمّرة للعلاقة؟ وما هي المهارات التّواصليّة الأساسيّة التي يجب العمل على تنميتها بين الشّريكَين؟

الإصغاء للآخر

في الواقع، إنّ التّواصل بين الشّريكَين يقتضي بالدّرجة الأولى إدراك أنّ الآخر ليس امتداداً لأفكاري ومشاعري فقط، فلا بدّ من التّنبّه دائماً إلى أنّ الشّريك لديه رؤيته الخاصّة للحياة، وخبرته الشّخصيّة التي لا يُمكن اختزالها أو تهميشها. حتّى إنّ مقياس احترام الآخر في التّواصل لا يكون في التّوصّل دائماً إلى اتّفاقٍ ما، بل في طريقة تقبّل الاختلاف في الآراء وإدارته من دون أذيّة مشاعر الآخر أو الاستخفاف به.

والتّواصل النّاجح لا يعني أنّه على الأزواج أن يكونوا خبراءَ في التّواصل أو المفاوضات أو حلّ النّزاعات، ولا يعني أيضاً خلوّ العلاقة من الشّجار والخلافات من وقتٍ لآخر. فالتّحدّي الأساسيّ للشّركاء يكمن في بذلهم ما في وسعهم للمحافظة على الأفكار والمشاعر الإيجابيّة داخل العلاقة، أيْ أن يعلموا أنّ هناك خطوطاً حمراء في العلاقة يجب عدم تخطّيها، وإذا تكرّرت هذه الممارسات داخل العلاقة يُمكن أن تتعرّض العلاقة لنكسةٍ حقيقيّةٍ تجعل من التّواصل أداةً غير مُجدية، لا بل ترتدّ سلباً على العلاقة.

من هنا، تأتي أهمّيّة الإصغاء إلى الآخر، بحيث يشعر الشّريك أنّ العلاقة هي مساحةٌ للتّعبير عمّا يجول في داخله، مع الثّقة بأنّ الآخر قادرٌ على فهمه من دون تشويه كلامه أو تفسيره بعكس ما كان يقصد، أو اتّخاذ موقفٍ دفاعيٍّ أو اتّهاميٍّ منه، ممّا يجعل الشّريك يفقد مع الوقت الرّغبة في التّواصل.

أساليبُ تواصليّةٌ سلبيّة بين الأزواج غير السّعداء

إنّ الأزواج غير السّعداء يلجأون باستمرارٍ إلى أربعةِ أساليبَ سلبيّةٍ في التّواصل، تُمثّل تهديداً حقيقيّاً للعلاقة:

  • الانتقاد الدّائم للآخر والسّخرية منه، والتّعرّض لشخصه بدل التّصويب نحو تصرّفه، فمثلاً بدلاً من التّعبير الشّرعيّ عن الانزعاج من تصرّف الشّريك نتيجة تأخّره عن الموعد، ننهال عليه بأبشع الصّفات فنعدّه شخصاً غير مسؤول، ولا يحترم كلمته وليس مصدراً للثّقة. هذا الأسلوب يضع الآخر في موقفٍ دفاعيٍّ حتّى لو كان مُدركاً خطأه وعلى استعدادٍ للاعتذار.
  • احتقار الآخر وإذلاله، ونعته بقلّة الفهم والعجز عن إيجاد حلٍّ للمشاكل، وإشعاره بالدّونيّة باستمرارٍ وما إلى ذلك من نعوت. هذا الأسلوب لا يُعبّر عنه فقط بالكلام بل بنظرةٍ أو إيماءةٍ معيّنةٍ قد تكون أشدّ إيذاءً من الكلمات.
  • تبنّي الشّريك موقفاً دفاعيّاً دائماً، ورفضه الحوار وإعادة النّظر بمواقفه، متّهماً الآخر بالمسؤوليّة وفارضاً عليه التّغيّر أو المُعالجة حتّى لو أدّى ذلك إلى الانفصال.
  • الاستسلام والقبوع في الصّمت. هذا يتبلور عادةً عند الأزواج بعد فترةٍ طويلةٍ من علاقةٍ تخلّلتها شجاراتٌ مستمرّةٌ من دون التّوصّل إلى حلولٍ تدفع الطّرفَين أو أحدهما إلى الاستسلام، وعدم الرّدّ أو المناقشة، ممّا يُثير حفيظة الآخر الذي يتّهمه بعدم تحمّل المسؤوليّة.

إنّ اللجوء المستمرّ إلى هذه الأساليب في العلاقة يؤدّي حتماً إلى طلاقٍ نفسيٍّ أو فعليّ، لذا لا بدّ من الصّيانة الدّائمة للعلاقة وعدّ التّواصل من المسلّمات التي يجب اكتسابها وتنميتها باستمرار.

أربع مهارات علائقيّة بين الأزواج السّعداء

أمّا الأزواج السّعداء فيحرصون على بلورة أربع مهاراتٍ علائقيّةٍ تُساعد على خلق أرضيّةٍ إيجابيّةٍ للتّواصل:

  • القدرة على وضع الذّات مكان الآخر لمحاولة فهم مشاعره، وأفكاره، وهواجسه من دون الحكم عليها. إنّ هذه المهارة تُساعدنا على اكتشاف نمط تفكيره وتقبّله، ومعرفة كيفيّة التّوجه إليه واستيعاب ردّات فعله إلى حدٍّ كبير. طبعاً هذه المهارة تتطلّب أوّلاً معرفة الذّات كي يتمكّن الشّريك من ملاقاة الآخر والتّموضع تجاهه بطريقةٍ إيجابيّة، والأهمّ البلورة الحميميّة بين الشّريكَين التي تُكون حصناً منيعاً أمام أيّ هزّةٍ يتعرّضان لها.
  • الانفتاح على الآخر، أيْ الشّعور بقدرة الشّريك على كشف ذاته أمام الآخر، وإطلاعه على ماضيه وحاضره، ومشاركته أحلامه وطموحاته ومخاوفه وضعفه بثقةٍ عالية. هذا الانفتاح المُتبادل يُساعد الشّركَين على الاهتمام ببعضهما وإظهار الدّعم المُتبادل في كلّ الظّروف. من الأخطاء الشّائعة التي يلوم الشّركاء بعضهم عليها، هي أنّه على الآخر أن يُدرك مشاعري وأفكاري من دون الإفصاح عنها.
  • إثبات الذّات أمام الآخر، أيْ القدرة على إثبات المشاعر والأفكار أمام الآخر من دون مساومةٍ على حساب الشّريك. هذه المهارة تتطلّب ثقةً بالذّات وقدرةً على المواجهة للدّفاع عن الذّات أمام أيّ موقفٍ سلبيٍّ أو غُبنٍ قد يطالها، وذلك بدلاً من الاستسلام لمشاعر الخوف والخضوع للآخر. إنّ المواجهة في هذه الحالات تتمّ بهدوءٍ ولكن بحزمٍ كعلامةٍ لاحترام الذّات والآخر من دون اللّجوء إلى العُنف.
  • التّفكير الإيجابيّ، أيْ القدرة على مواجهة المشاكل والضّغوطات بإيجابيّة. التّعبير عن العواطف، ودعم الآخر وتقديره واللّجوء إلى المرح، بدل استعمال التّهديد والاتّهامات والابتزاز و»التّجريح». إنّ الحرص على المحافظة على منسوبٍ عالٍ من المشاعر الإيجابيّة بين الشّريكَين يُعدّ من أهمّ مؤشّرات النّجاح في العلاقة.
  • إن التّواصل الإيجابيّ والنّاجح بين الطّرفَين يتطلّب وقتاً لبلورة ثقافةٍ ولغةٍ مشتركتَين لا تلغيان الخصوصيّة والمساحة الشّخصية لكلّ شريك. إنّ التّقدّم الهائل على مستوى التّواصل التّكنولوجيّ وشبكات التّواصل الاجتماعيّ، لا يُمكن أن تَحلّ مكان التّواصل الشّخصيّ بين الشّركَين من أجل علاقةٍ ناجحةٍ وسعيدة.

مقالات قد تثير اهتمامك