نـار المُدخّنين تحرق المجتمع.. والاقتصاد

ترفض عُلا أن تكون في المكان نفسه مع المُدخّنين لأنّها تُعاني من «التّدخين السّلبيّ الذي تتنشّقه رغماً عنها مع التقاط كلّ نفسٍ لها». وفي المقابل يعتقد سامي أنّ تدخين السّيجارة ليس عادةً إدمانيّةً على مادة النّيكوتين المتوافرة في السّجائر فقط ، بل أيضاً «غضبٌ أنفثه من صدري مع كلّ سحبة». أمّا أحمد فيرى أنّ النّرجيلة تُسلّيه «أثناء السّهرة وتدفع عنه هموم الحياة اليوميّة التي تزداد في لبنان».

هذا الكلام لا يُمكن أن يختصر كلّ مشهد التّدخين في لبنان، ولاسيّما مع بدء العمل بقانون منع التّدخين في الأماكن العامّة والمُغلقة، لكنّه جزءٌ من السّجال الدّائر حاليّاً حول أهميّة القانون الصّادر والأهداف من تطبيقه. فبوجود أزمة سلوكٍ اجتماعيٍّ تدفع شيئاً فشيئاً نحو التّدخين، يُمكن إدراج تطبيق هذا القانون ضمن مشكلةٍ اقتصاديّةٍ قد تؤثّر سلباً في مئات المؤسّسات السّياحيّة والعاملين فيها.

عُلا: «قد أُصاب بسرطان التّدخين السّلبيّ»

عُلا فتاةٌ في الـ24 من العمر، تعمل في مؤسّسةٍ مصرفيّةٍ حيث غالبيّة زملائها «مدمنون على التّدخين، وأنا مُضطرةٌ أن أجلس معهم في غرفةٍ واحدةٍ مغلقةٍ وأتنشّق دخّانهم من دون أن أمارس هذا النّوع من الإدمان». تخاف عُلا من أن يُصيبها مرضٌ ناتجٌ عن التّدخين على الرّغم من أنّها تعتني جيّداً بصحّتها وبعاداتها الغذائيّة، لكنّ تداعيات ما كان يحصل معها قبل بدء تطبيق قانون التّدخين، ما يزال يُخيفها. فهذه الشّابّة لا تزال قلقةً إلى اليوم من أن تكون نتائجُ ما تنشّقته سلبيّةً على صحّتها في المستقبل «فقد أُصاب بمرضٍ سرطانيٍّ بسبب ما استنشقته رغماً عنّي ومن دون أيّ ذنبٍ لي في التّدخين» تقول علا.
اللاّفت أنّ عُلا تعلم أنّ الإحصاءات غير الرّسميّة في لبنان تُقدّر بأن يؤدّي التّدخين السّلبيّ،  إلى الوفاة المبكّرة لنحو 350 ألف شخصٍ في لبنان في السّنوات المقبلة، وذلك في حال استمرّوا بالاحتكاك المُباشر مع المدخّنين. فالدّراسات التي استندت إليها الأسباب الموجبة لقانون منع التّدخين رصدت نوعيّة الهواء في نحو 28 مطعماً فتبيّن لها أنّها سليمةٌ في واحدٍ فقط.

100% خاليـــة مـــن التّدخين 

لكنّ التّدخين السّلبيّ ليس وحده عنصر الكلفة على المجتمع، فللتّدخين كلفةٌ إضافيّةٌ يتحمّلها المجتمع برمّته إذْ يُشير رئيس لجنة الصّحّة النّيابيّة عاطف مجدلاني، إلى أنّ كلفة التّدخين في لبنان تبلغ 350 مليون دولار. هذا الرّقم يستند إلى إحصاءاتٍ تُفيد بأنّ 38% من اللّبنانيّين البالغين هم مدخّنون، بينهم 46% ذكوراً و34% إناثاً؛ وهذا رقمٌ يتجاوز إلى حدٍّ كبيرٍ المعدّل الإقليميّ في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث تبلغ نسبة التّدخين 38% لدى الذّكور و7% لدى الإناث. وبحسب منظمة الصّحّة العالميّة، فإنّ من أبرز آثار التّدخين في لبنان تسبّبه بوفاة نحو 3500 ضحيّةٍ سنويّاً، وإصابة نحو 40% بمرض السّرطان. عند هذا الحدّ من الإحصاءات، صدر قانون منع التّدخين في الأماكن العامّة والمُغلقة، ففي أيّار /مايو 2011 بدأ تطبيق القانون في الأماكن العامّة والمقارّ الرّسميّة، فيما أُمهلت مؤسّسات القطاع السّياحيّ حتّى 3 أيلول 2012 لتُصبح جميعها خاليةً من التّدخين بنسبة 100%.

سامي: «أليس للمدخّنين حقوقٌ أيضاً؟!»

هذا الخبر لم يكن سارّاً للمُدخّنين. فبحسب سامي الذي يعمل موظّفاً إداريّاً في شركةٍ تجاريّةٍ «ليس معقولاً أنْ يُفرض علينا الذّهاب خارجاً في أيّام الشّتاء للتّدخين». علاقة سامي مع الدّخان ليست عاديّة، وهي لا تترك انطباعاً بأنّ سامي معنيٌّ بحقوق غيره في الحفاظ على صحّتهم، لكنّه يُضيف إلى استنكاره قانون منع التّدخين في الأماكن المُغلقة، أسئلةً عديدةً تجد صدى واسعاً بين المُدخّنين وأصحاب المؤسّسات السّياحيّة على حدٍّ سواء: «لماذا صدر قانون منع التّدخين بهذه الطّريقة من دون أن يسمح بتخصيص أماكنَ للتّدخين؟ ومَن قرّر أنّ حقوق الآخرين تكمن فقط في منع التّدخين في الأماكن المُغلقة، أليس للمدخّنين حقوقٌ أيضاً؟! أليسوا مواطنين ولهم حقوقٌ وواجبات؟! ألم يكن أجدر بالدّولة أن تضع في كفّتَي الميزان كِلا الحالتَين قبل أن تُصدر مثل هذا القانون؟! أين سندخّن الآن؟!».

إدمان الأطفال... اجتماعيّ 

أسئلة سامي لا تنتهي، لكنّها تفتح صندوقاً كبيراً يمتلئ بالاستفهامات والاستيضاحات حول السّلوك الاجتماعيّ للمُدخنين الذين يتجاوز عددهم ثلث اللّبنانيّين. هذا الوضع الذي يُعدّ سلوكاً جماعيّاً يُفسّره الخبير في العلوم الاجتماعيّة معضاد رحّال، بأنّه ليس إدماناً صحّيّاً فقط بل هو ناجمٌ عن مؤشّراتٍ ومعطياتٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ مُتفاقمةٍ في لبنان حيث معدّلات الفقر مرتفعةٌ وتصل إلى 28%، ونسبة البطالة المُعلنة رسميّاً تصل إلى 11% من القوى العاملة المقدّرة بنحو مليون و200 ألف شخص. لكنّ رحّال يصف هذه النّسبة المرتفعة بأنّها إدمانٌ اجتماعيٌّ تقوم به المجموعة للهروب من حالة الفراغ الذي تعيشه، لاسيّما في ظلّ سهولة الحصول على التّدخين ووفرته في لبنان حيث الفوضى عارمةٌ وتمثّل حافزاً أساسيّاً لجذب الأطفال والبالغين إلى هذه العادات السّيّئة. بالإضافة إلى ذلك، هناك عناصرُ أخرى تدفع إلى التّدخين في لبنان، لاسيّما تردّي مستوى التّربية المنزليّة، إذ إنّ البيئة التي يعيش فيها الطّفل قد تكون حافزاً لمستوياتٍ مختلفةٍ من الانحرافات تبدأ بالتّدخين وتمثّل وعاءً لنشوء عاداتٍ أكثر سوءاً. وغالباً ما تأتي هذه العادات مترافقةً مع اكتظاظٍ سكّانيٍّ فيكون الوضع مناسباً لانتقال عادة التّدخين من شخصٍ إلى آخر، وبخاصّةٍ في مراحلَ مبكّرةٍ من العمر.

السّيّاح مدخّنون!

إذا كانت هذه أوضاع المدخّنين وظروفهم التي دفعت الدّولة إلى معالجةٍ غير جذريّةٍ بإقرار قانون منع التّدخين في الأماكن العامّة والمُغلقة، فما هي تداعيات مثل هذا القرار على المؤسّسات السّياحيّة؟
يؤكّد اتّحاد نقابات المؤسّسات السّياحيّة أنّ هناك أكثر من 6000 مقهى ومطعمٍ ونادٍ ليليٍّ وحانة، ستتضرّر مباشرةً جرّاء قانون منع التّدخين في الأماكن المُغلقة بالكامل، وستؤدّي إلى فقدان آلاف العمّال لوظائفهم، بخاصّةٍ في فصل الشتاء.
هذا الكلام يستند إلى دراسةٍ أجراها الاتّحاد وأظهرت أنّ هذا القانون سيؤدّي إلى خسارةٍ مباشرةٍ في النّاتج القوميّ بقيمة 181 مليون دولار، وإلى خسارةٍ إجماليّةٍ تُقدّر بنحو 282 مليون دولار، ما سيؤدّي إلى انخفاضٍ في النّموّ بمعدل 0.4% و0.7% على التّوالي، وستزيد معدّلات البطالة لتخسر سوق العمل نحو 2592 وظيفة.
هذه النّتائج مبنيّةٌ على أساس أنّ سلوك زبائن المقاهي والمطاعم والنّوادي اللّيليّة والحانات، يُترجم عمليّاً بإنفاقٍ أقلّ على الأكل والشّرب مقابل إنفاقٍ أكبر على تدخين النّرجيلة. ومن أبرز الخسائر التي ستترتّب على المؤسّسات السّياحيّة بسبب تطبيق هذا القانون، وَفق تقديرات الدّراسة المذكورة، هي خسارةٌ بقيمة 45 مليون دولارٍ بسبب انخفاض الإنفاق السّياحيّ بمعدل 1% فقط، علماً أنّ المطاعم والمقاهي والنّوادي اللّيليّة تنتج نحو 735 مليون دولارٍ سنويّاً وتوظّف عدداً كبيراً من موظّفي العِمالة غير الماهرة، أي تلك التي لا تتمتّع بدرجاتٍ علميّةٍ وخبرةٍ كافية. وتلفت دراسة المجلس العالميّ للسّياحة والسّفر، إلى أنّ غالبية السّياح القادمين إلى لبنان هم من المدخّنين، لاسيّما أنّ غالبيّتهم من الدّول العربيّة.

انعكاساتٍ سلبيّة

وتخلص الدّراسة إلى أنّ قانون منع التّدخين في الأماكن العامّة والمُغلقة ستكون له انعكاساتٌ سلبيّةٌ على المؤسّسات السّياحيّة وفق الآتي: تقلّص أعمال المطاعم بنسبة 20%، وأعمال المقاهي بنسبة 45%، وأعمال الحانات بنسبة 18%، وأعمال النّوادي اللّيليّة بنسبة 29%. أمّا على مستوى الصّرف من العمل، فإنّ هذه المؤسّسات ستُخفّف من عمّالها بسبب تقلّص قدرتها التّشغيليّة وَفق الآتي: تخفيفٌ بنسبة 10% للعمال الدّائمين، وتخفيفٌ بنسبة 12% للعمّال الموسميّين.

قانون متطرّف لا عادل

لهذه الأسباب تدافع المؤسّسات السّياحيّة عن أعمالها التي ستتضرّر بفعل تطبيق القانون المذكور. وطالب نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتسري في لبنان بول عريس، بأن يكون «القانون عادلاً، ومنصفاً وليس متعجرفاً...»، لافتاً إلى أنّ «العديد من البلدان العربيّة والأجنبيّة التي كانت اعتمدت قانوناً متطرّفاً لمنع التّدخين، أعادت التّقييم بعدما تفاجأت بالانعكاسات الاقتصاديّة السّلبيّة للمنع التّام، فأدخلت استثناءاتٍ منطقيّةً وعادلة». وأشار شارل عربيد رئيس الجمعيّة اللّبنانيّة لتراخيص الامتياز، إلى أنّ «منع التّدخين في المقاهي والمطاعم نقل آفة التّدخين من المؤسّسات السّياحيّة إلى المنازل والأماكن الخاصّة. فخسرنا المعركة الاقتصاديّة ولم نربح معركة الحدّ من التّدخين».

زيادة الضّرائب 

إلى جانب هذه الآراء، هناك فئةٌ ترى أنّه كان الأجدر بالدّولة أن تتّخذ إجراءاتٍ أكثر جديّةً في مكافحة هذه الآفة مثل زيادة الضّرائب على التّدخين إذْ أثبتت دراساتٌ أجراها الباحث الاقتصاديّ جاد شعبان أنّ رفع أسعار التّبغ والدّخان يمكن أن يزيد العائدات الضّريبيّة للخزينة العامّة بقيمة 120 مليون دولارٍ إذا زيدت الضّريبة بمعدل 150%، ممّا سيؤدّي إلى خفض الاستهلاك بنسبة 22%.

مقالات قد تثير اهتمامك