عدم القدرة على الإنجاب لا تعني نهاية الشّراكة...

إنجاب الأطفال كثمرة حبٍّ من أقوى الرّغبات التي تسكن الغالبية العظمى من الأزواج. في بعض الحالات، يتعثّر تحقيق هذه الرّغبة لأسبابٍ طبّيّةٍ ونفسيّة، وعندها تبدأ رحلة الزّوجَين الشّاقّة التي تُعدّ إحدى أصعب المِحن التي تواجههما، والتي قد تقلب العلاقة رأساً على عقب. 
ما هي التّحدّيات النّفسيّة التي تنتظر الأزواج، وكيف يُمكن التّعامل معها ومع التّردّدات التي تولّدها في العلاقة؟

بدايةً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الطّبيب النّسائيّ المختصّ يطلب من الأزواج الانتظار مدّةً تمتدّ حتّى سنةٍ ليحصل الحمل، أيّ لا داعي للقلق قبل سنةٍ من أخذ قرار الحمل. بعد هذه المدّة، تُصبح الاستشارة ضروريّةً لإجراء الفحوصات اللاّزمة لمعرفة الأسباب الطّبّيّة لعدم حصول الحمل. إلاّ أنّه للأسف، يتمّ التّركيز دائماً على النّاحية الطّبّيّة من فحوصاتٍ واقتراحاتٍ علاجيّة، ويتمّ إهمال الحالة النّفسيّة والعاطفيّة التي تُصيب الشّريكَين على مستوى العلاقة ومستوى كلّ شخصٍ في العلاقة.
نفسيّاً، يمرّ الأزواج بأربع مراحلَ أساسيّةٍ تبدأ باكتشاف عدم القدرة على الحمل، وتنتهي بأخذ القرارات المناسبة بعد الخضوع للعلاج. لذا، لا بدّ من التّوقّف عند كلّ مرحلةٍ وأخذ العِبر النّفسيّة منها:

إدراك المشكلة والاعتراف بها 

إنّ أغلب الأزواج عادةً، يعتقدون أنّ الحمل هو مسألةٌ بديهيّةٌ تعتمد على التّوقيت الذي يختارونه، ولكن بالنّسبة إلى آخرين، لا تجري الأمور كما يتوقّعون. فعندما تمرّ فترةٌ طويلةٌ على محاولاتٍ عدّةٍ لا تؤدّي إلى الحمل، يبدأ القلق والشّكّ يُساوران الشّريكَين ويتصاعدان تدريجيّاً. في هذه المرحلة، لا بدّ أن يتحمّل الطّرفان المسؤوليّة، بمعنى أن يذهبا معاً لاستشارة الطّبيب، وعلى الرّجل بخاصّةٍ أن يتقبّل أنّ هذه المسألة تعنيه بقدر ما تعني زوجته، وأنّه لا يجوز أن يُلقي المسؤوليّة عليها، وبخاصّة أنّ فحوصات الرّجل في المرحلة الأولى تكون بسيطة.
مشاعرُ كثيرةٌ سيمرّ بها الشّريكان، منها الشّعور بالذّنب والعجز أمام واقعٍ لا قدرة على التّحكّم به في الوقت الحاضر. إنّها فترةٌ يغلُب عليها الشّعور بعدم الأمان والقلق، لذا لا بدّ من الدّعم المتبادل بين الشريكَين وأخذ القرارات المناسبة، منها استشارة الطّبيب لتشخيص الحالة كما يجب.

التّشخيص

إنّها المرحلة التي يبحث فيها الشّريكان عن إجاباتٍ لأسباب عدم الحمل. أحياناً، تكون الفحوصات طويلةً ومُرهقةً جسديّاً، وأيضاً مصدر قلقٍ يُسيطر على الشّريكَين. بعضهم قد يريحه إيجاد الإجابة، وبعضٌ آخر قد توّلد له الإجابة شعوراً بالإحباط والغضب، وفي حالاتٍ يكون الشّعور أصعب عندما لا يكون هناك تفسيرٌ طبّيٌّ للحالة، وهي نسبة 10% من الأزواج. في هذه المرحلة، لا بدّ من الاطّلاع والاستعلام جيّداً عن أسباب عدم الإنجاب، والعلاجات المُمكنة. يجب عدم الاكتفاء بالمعلومات المُعطاة من الطّبيب على الرّغم من أهميّتها، بل يجب التّزوّد بكلّ المعلومات المتعلّقة بالمسألة لأخذ القرار المناسب المُتعلّق بالعلاج. طبعاً، إذا تحوّلت هذه المرحلة إلى مصدر خوفٍ وقلقٍ كبيرَين، من الأفضل التّوجّه إلى مستشارٍ نفسيٍّ لامتصاص هذه المرحلة الدّقيقة والحدّ من آثارها السّلبيّة التي قد تنعكس على العلاقة. 

العلاج

هي المرحلة التي تسيطر كليّاً على حياة الثّنائيّ من ناحية العلاج والتّقنيّات المُتّبعة وتعليمات الأطبّاء، فمنسوب الضّغط والقلق يصل إلى القمّة، والعلاقة الجنسيّة قد تأخذ منحًى ميكانيكيّاً من أجل التّوصّل إلى الحمل. 
إنّها مرحلة الأمل أيضاً لتحقيق الغاية المنشودة، التي قد تتحوّل إلى إحباطٍ كبيرٍ إذا لم تنجح. مدّة العلاج قد تطول بحسب سبب المشكلة، ونوع العلاج، ورغبة الشّريكَين في اختيار نوعيّة العلاج التي تتفاوت نسبة نجاحها من علاجٍ إلى آخر. ب
بالنّسبة إلى الأزواج الذين لا يصلون إلى نتيجةٍ بعد محاولاتٍ عدّة، يتوقّف عليهم أخذ القرار بالمتابعة أو التّوقّف عن المحاولة. 

أخذ القرارات

إذا لم يتمَّ التّوصّل إلى النّتيجة المتوخّاة - عند فئةٌ صغيرةٌ من الأزواج لأنّ أغلب حالات عدم الحمل يتمّ معالجتها- لا بدّ من أخذ القرار كما سبق وذكرنا، أيْ إمّا التّوقّف عن العلاج أو تأجيله فترة. إذا تمّ التّوقّف عن العلاج فإنّ مشاعرَ من الإحباط والفراغ والحزن قد تسيطر في هذه المرحلة، وعندها لا بدّ من طرح البدائل: التّبنّي، أو إكمال حياتهما من دون أطفال، ووضع أهدافٍ أخرى للشّريكَين تجعلهما يشعران بإعطاء معنًى آخر لحياتهما بعد هذه المِحنة.

المرافقة النّفسيّة

إنّ المرافقة النّفسيّة لكلّ هذه المراحل بواسطة اختصاصيّين نفسيّين تساعد على:

  • معرفة متى يجب البدء أو الانتهاء من العلاج، وأيّ علاجٍ يُفضّل اعتما
  • كيفيّة مواجهة الضّغوطات النّاجمة عن العلاجات المقترحة
  • توقّع النّتائج بإيجابيّة، والتّعامل مع الفشل والحداد النّفسيّ الذي قد ينتج عنه
  • كيفيّة التّعاطي مع المشاكل الزّوجيّة التي قد ترافق هذه المِحنة
  • التّخفيف من القلق والإحباط، وعدم تحويل العلاقة الجنسيّة إلى هوسٍ محصورٍ فقط في الوصول إلى الحمل والحفاظ على الجانب الحميميّ منه
  • التّعامل مع ضغط المحيط وبخاصّةٍ الأهل للحدّ من الآثار السّلبيّة التي قد تنتج عنه
  • على الشّريكَين التسلّح بالمعرفة الكافية، والدّعم المشترك، والذّهاب دائماً معاً إلى الطّبيب، والتّعبير عن الهواجس والمخاوف، والتّشاور دائماً قبل الشّروع في العلاج، وإيجاد الأشخاص المناسبين من أصدقاءَ وأهلٍ أو مَن مرّوا بالحالة نفسها لتفريغ القلق والغضب وتعزيز شبكات الأمان

إنّ عدم القدرة على الإنجاب لا تعني نهاية الشّراكة والحبّ الذي يربطهما، فإذا كان الطّفل هو ثمرة الحبّ فإنّ الثّنائيّ قادرٌ أن يكون مثمراً بطريقةٍ أخرى تُحافظ على سعادة الزّوجَي

مقالات قد تثير اهتمامك