الانسجام في الطّباع مــا الــذي يــؤمّنـــه علــــى المــدى الطويــل؟

الاختــلاف مرغــوبٌ فــي بدايــة العلاقــة

من المعتقدات المُتعارف عليها عند النّاس بعامّة، أنّ الشّريكين ذوي الطّباع المختلفة ينجذبان إلى بعضهما، وأنّ نجاح العلاقة يكمن في العيش مع شريكٍ مختلفٍ عنّا في الشّخصيّة وطريقة التّفكير والشّعور، وأنّه بهذا الاختلاف يستطيع الشّريك أن يُعوّض كلّ ما ينقص عند الآخر ويُكمّله.
هذا المعتقد يصحّ في بداية العلاقة، أيْ في مرحلة الشّغف حين يذوب الشّريكان ببعضهما. ففي هذه المرحلة، لا يقيم الاختلاف في الطّباع والقِيم أيّ تحدٍّ للعلاقة، بل هو مرغوبٌ فيه ويكون حافزاً للاستمرار. ولكن عندما يَعبُر الشّريكان من مرحلة الشّغف إلى مرحلة إعادة التّموضع وبناء التّسويات في العلاقة، تُصبح الاختلافات مصدر تحدٍّ مهمٍّ للعلاقة وللمنحى الّذي ستأخذه لاحقاً.
أمّا الدّراسات النّفسيّة فقد أظهرت عكس المعتقد الشّعبيّ، فلكي تنجح العلاقة على المدى الطّويل يجب أن تكون نسبة التّشابه في الطّباع أكبر من نسبة الاختلاف، وإلاّ فستكون مرشّحةً بقوّةٍ لأنْ تغلب عليها الخلافات والمشاحنات باستمرار.

طباع وصراعات...
  • من ناحيةٍ أخرى، من المُستحسن ألاّ يكون التّشابه كلّيّاً، لكيلا تغلب على العلاقة الرّتابة وقلّة الإبداع بالتّجدّد وضخّ الحياة فيها.
  • عمليّا، ما سيأتي هو أبرز الطّباع المختلفة التي يمكن أن تُترجم إلى صراعاتٍ مستمرّةٍ في العلاقة:
  • الشّخص المتحفّظ والمنزوي الذي يرتبط بشخصٍ منفتحٍ واجتماعيّ.
  • الشّخص المُتقشّف في صرف الأموال والشّخص المُبذّر.
  • الشّخص العاطفيّ والشّخص العقلانيّ.
  • الشّخص المُنظّم والشّخص الفوضويّ.
بين التّطرّف واللّيونة... تسوية

إذا كانت هذه الطّباع متطرّفةً في الاختلاف، فعلى الأرجح سيشعر الطّرفان بالنّفور والكبت، وسيُحاول كلّ طرفٍ أن يفرض نمط حياته على الآخر، وغالباً هذا ما يحدث، أيْ يرضخ طرفٌ لإرادة الآخر بعد أن يعجز عن تغيير شريكه، أو يُمكن أن تصل العلاقة إلى الانفصال إذا رفض طرفٌ الانصياع للآخر ولم يصل إلى تسويةٍ مقبولةٍ معه.
أمّا إذا أظهر الشّريك ليونةً في طبعه تجاه الآخر، وقَبِل أن يتأثّر به ويمدّ جسوراً مشتركةً معه، عندها يُمكن أن يتحقّق الانسجام. مثلاً يُمكن للمبذّر من دون تطرّفٍ أن يتعلّم من شريكه تنظيم صرفه للأموال، بالمقابل يتعلّم المُتقشّف أن يستمتع أكثر بصرفه أمواله من دون أن يكون مسكوناً دائماً بهاجس الحفاظ على أمواله. المسألة نفسها تُطبّق على الطّبع المتحفّظ والمنفتح، فإذا قبل طرفٌ الانفتاح على نمط حياة الآخر، وشَعَر الطّرفان بالقيمة المضافة إلى هذا الانفتاح، عندها تكون التّسوية مرضيةً للشّريكَين.

أهميّة القِيمٍ المشتركة

إلى جانب الانسجام في الطّباع، من المهمّ بناء قِيمٍ مشتركةٍ حول النّظرة إلى تربية الأطفال، والعلاقة مع الأهل، والعلاقة الجنسيّة، والأمور المادّيّة، والتّوازن بين الحياة المهنيّة والعائليّة، والتّوازن بين الحياة الخاصّة والمشتركة. إنّ عدم التّوافق حول هذه القِيم يؤدّي إلى تهديدٍ جدّيٍّ لنجاح العلاقة. ما قد يزيد من صعوبة الانسجام حول قِيمٍ مشتركة، هو عندما يأتي كلّ شخصٍ من خلفيّةٍ فكريّة، وثقافيّة، ودينيّة، واجتماعيّة، وعلميّةٍ مختلفةٍ عن الآخر، ممّا يزيد التّحدّيات في إيجاد أرضيّةٍ مشتركةٍ. إنّ هذا النّوع من الاختلاف يتطلّب درجةً عاليةً من النّضج العاطفيّ والشّخصيّ، واستقلاليّةً كبيرةً عن المحيط لإدارة الاختلافات بإيجابيّة، وإلاّ فسوف تطفو الخلافات سريعاً على السّطح وتؤثّر سلباً في العلاقة.
إنّ تحقيق الانسجام في العلاقة بخاصّةٍ في حالة الاختلاف، يتطلّب مسيرةً طويلة، ومجهوداً مشتركاً من الطّرفَين مبنيّاً على ليونةٍ نفسيّة، وإظهار قدرةٍ على تفهّم الآخر واستيعاب هواجسه، والتّمتّع بذكاءٍ عاطفيٍّ من أجل التّعامل مع الصّراعات تعاملاً إيجابيّاً وفعّالاً.
لكلّ هذه الأسباب، من الأفضل أن تكون درجة التّشابه أكبر من الاختلاف في الطّباع والقِيم من أجل تأمين انسجامٍ طويل الأمد.

مقالات قد تثير اهتمامك