حين تصبح العلاقات جنس وخيبات بلا رومانسية!

نثرَتْ حبّة قمح محبّتها على بيدر قلبه، وسقت أرضه من حنانها وعطفها وأجمل سنين عمرها منتظرةً يوم الحصاد. انتظرت... وتوقّعت أن تكون الأرض خصبةً كفايةً لتثمر، إنّما سرعان ما تبيّن أنّ الأرض مليئةٌ بالشّوك، فخنقت الثّمر وأصيبت بخيبة أملٍ كبيرة. 

فهل كلّما ارتفع سقف توقّعاتنا وانتظاراتنا... زادت نسبة خيبات الأمل؟

 جاد: " تمكّنتُ من ممارسة الجنس معها"

"تعرّفتُ بالصّدفة على موقع التّواصل الاجتماعيّ الـ "فيسبوك" على فتاةٍ ريفيّةٍ جميلة، تدرس وتعمل في ضيعتها... بتنا نتحدّث كلّ يومٍ مدّةً طويلة، فحصل انسجامٌ نفسيٌّ وفكريٌّ حول أفكارٍ ثورويّةٍ تقودنا نحو الحريّة. عندما قصَدَتْ بيروت أقنعتها أن تزورني، فشعرنا تلقائيّاً بانجذابٍ كبيرٍ بيننا، وتمكّنتُ من ممارسة الجنس معها. بعدها، بتنا نلتقي بانتظامٍ وبسرّيّةٍ في البداية بسبب معارضة أهلها، ثمّ قرّرنا لاحقاً أن نخطب لنتزوّج ونستقلّ في إدارة حياتنا. بعد مدّةٍ، اكتشفت على الرّغم من أنّها لذيذةٌ في السّرير وسهلةٌ جنسيّاً، فهي عاديّةٌ في العَلَن وساذجةٌ أمام النّاس، بالإضافة إلى الرّوتين المتزايد يوماً عن يوم... فصارحتها بذلك وأنهيتُ العلاقة معها قبل الإقدام على الزّواج بأشهرٍ قليلة". 

هكذا تخلّى جاد عن خطيبته بعد أن فقد الأمل في أن يتغيّر تفكيرها "السّاذج" الذي تكوّن منذ نشأتها في الضّيعة، على حدّ قوله مبرِّرًا فعلته.  فما هي حدود التّوقّعات المعقولة أثناء الخطبة؟ إلى أي حدّ يلعب الروتين دوراً في التملّص من العلاقة!؟

نِعمَت: "التّوقّع يجب أن يكون منطقيّاً ومقدوراً عليه"

عن هذا السّؤال تُجيب نِعمَت بثقة: "من الجميل أن نتوقّع دائماً تغيير أمرٍ ما نحو الأفضل، لكن هذا التّوقّع يجب أن يكون منطقيّاً ومقدوراً عليه. هناك أمورٌ أساسيّةٌ كالطّباع والشّخصيّة لا يمكن تغييرها، فعلى سبيل المثال: البخيل لا يُمكن أن يُصبح كريماً، ولا يُمكن للفتاة أن تخطب شابّاً "نسونجيّ" أيضاً على أمل تغييره مع الوقت... بالإجمال، تكمُن المشكلة في نوعيّة العلاقة وطبيعة الحديث أثناء الخطبة: يتكلّم الشّريكان عن الإعداد للزّفاف لا عن حياتهما لاحقاً، وكأنّ حياتهما ستُصبح سعيدةً جدّاً بعد هذا اليوم. هذا خطأ، إذْ يجب أن يختبرا بعضهما فعلاً لا أن يلتهيا بقشور الزّواج، ويتوقّعا أنّ الحياة الزّوجيّة كما في قصّة "سندريلّلا" تكمُن في الأمور الحميمة والرّومانسيّة! لا بدّ في العلاقة من التّطرّق إلى الحياة ما بعد الخطوبة، والمشاكل والمطبّات الّتي ستعترضهما لاحقاً، ومستوى المعيشة ونوعيّة الشّراكة".

 جويل: "كنتُ أظنّ أنّه سيتغيّر وسنتأقلم مع بعضنا أكثر"

منهمكَان معاً في التّحضير لحفل الزّفاف... وفجأةً ينتهي كلّ شيء. انتظارات رامي وجويل لم تكن أيضاً على قدر التوقّعات المرجوّة. لقد قرّرا فسخ الخطوبة قبل شهرٍ واحدٍ فقط من الزّواج.
"الحسناء" حاورتهما ليُفصحا عن سبب إنهاء العلاقة. تُخبر جويل: "تعرّفنا إلى بعضنا منذ ستّ سنوات. كان هناك إعجابٌ قويٌّ متبادل، لكنْ لم نُصاحب بسبب سفره. بعد أربع سنوات، عاد إلى لبنان والتقينا ودخلنا في علاقةٍ جديّة. كان يعجبني شكله ومركزه الاجتماعيّ، وأنّه مُضحكٌ ومسلٍّ، بالإضافة إلى وجود معرفةٍ وثيقةٍ بين العائلتَيْن. بدأت المشاكل تطرأ بعد شهرَيْن ونصف الشّهر من العلاقة: لا يريد أن يقطع علاقاته مع صديقاته القديمات، ولا يريد أن يغيّر شيئاً من طباعه بل عليّ تقبّله "على علاّته" أو... لم أطلعه يوماً على فكرةٍ ما إلاّ وأخبرها لأهله ممّا ولّد المشاكل. لم يكن هناك حياةٌ حميميّةٌ خاصّة. لم يكن يحترمني في المجتمع... وبالرّغم من ذلك قرّرنا أن نسيرَ خطوةً نحو الأمام: الخطوبة. جاء القرار لإعجابي به، ورغبتي في تكوين عائلة، ولأنّني في الثّلاثين من عمري، ولأنّ مركزه الاجتماعيّ جيّد. لكنْ أسوأ أيّام حياتي عشتها أثناء الخطوبة. كنت أشعر أنّني أريد أن أتركه، لكنْ لم أجرؤ على اتّخاذ القرار بسبب ردّة فعل الأهل والمجتمع والحاجة إلى إعطائه المزيد من الوقت علّه يتغيّر. كنتُ أظنّ أنّنا إذا اقتربنا من العرس فسيتغيّر وسنتأقلم مع بعضنا أكثر. لكنْ عبث".

 رامي: "توقّعت أن تكون فتاةً مطيعةً قليلاً"

مدافعاً بحدّةٍ عن وجهة نظره، يقول رامي: "جويل فتاةٌ حادّة الطّباع. عنيدةٌ جدّاً. لا تتنازل أبداً. ولا تحبّ أهلي، فهي تتصرّف بـ"وجهَيْن" تجاههم: تجلس معهم وتمثّل أنّها تحبّهم، وفي الوقت نفسه تتحدّث بالسّوء عنهم في غيابهم. أنا أيضاً قرّرتُ أن أخطبها إعجاباً بها، ولأنّها ملتزمةٌ دينيّاً وبنت عيلة، ومرتّبة، وعائلتي تعرف أهلها جيّداً. إنّما كان هناك تحدٍّ في العائلة من أنّ هذه الفتاة صعبة المنال بسبب جمالها وسيرتها الحسنة واتّزانها. كنت أتوقّع أن تكون فتاةً مطيعةً قليلاً، لا تناقش ولا تعارض دائماً، وكنت متأكّداً أنّ المشاكل ستزول والعلاقة ستصل إلى حيث أتطلّع بعد الخطبة والزّواج، إنّما من دون جدوى".

 مايا: "بعد الخطوبة اختفت رومانسيّته"

أُعجبَت مايا بشابٍّ رومانسيٍّ جدّاً. يهتمّ بها كثيراً ويأخذها إلى أهمّ المطاعم... ودائماً يهديها أزهاراً وهدايا قيّمة... "إلاّ أنّه بعد الخطوبة تغيّر كلّ شيءٍ واختفت رومانسيّته. بات يريدني أن أغيّر كلّ أسلوب حياتي ومستوى رفاهيّتي. لقد اتّضح لي أنّه بخيل"، تقول مايا: "في الأغلب، "يضحك" الشّابّ على الفتاة بالهدايا الجميلة والقيّمة والمطاعم والاهتمام بها... وبعد الخطوبة يعترف بعدم قدرته على إكمال المشوار على هذا النّحو... أي يبدأ بالبخل. فلماذا لا يُصارح الشّابّ الفتاة في بداية العلاقة بذلك؟!". وببسمةٍ ساخرةٍ تتابع مايا: "الذّكاء في العلاقة هو أن يبحث كلّ شريكٍ عن الأمور الّتي لا تعجبه في الآخر، ليكشفه على حقيقته أو يتعرّف إليه أكثر وبخاصّةٍ أثناء الخطوبة، حيث يجب ألاّ يستخفّ بتصرّفات الحبيب السيّئة تاركاً الأمور على أمل أن تتغيّر".

 ميسا تَرَكتْ عمرحين تعرّفت إلى شاب غنيّ

حبّ المال والجنس قد يكون أيضاً سبباً رئيساً لإنهاء الخطوبة أو الطّلاق وبخاصّةٍ إذا لم يكن الحصول عليهما على قدر المتوقّع. هذا ما حدث مع عمر. بعد خطوبةٍ استمرّت سنةً ونصف السّنة، تزوّج عمر من الفتاة التي أختارها لحُسن خُلُقها، ليكتشف بعد مدّةٍ وجيزةٍ أنّها كانت تطمع بمال والده الفاحش الثّراء، لكنّ عمر لم يكن قد ورث والده بعد فلم يتمكّن من إشباع حاجاتها ومتطلّباتها فطلبت منه الطّلاق، بحجّة أنّه باردٌ جنسيّاً وتقليديٌّ جدّاً في السّرير. وما ساهم في تسرّعها في طلب الطّلاق، تعرّفها إلى شابٍّ آخر غنيّ!

 ميرا: "شعرتُ أنّني في قفص"

عادةً ما يُرافق الإحباط الفتاة الّتي طال انتظارها لعريس الأحلام، أو الّتي توقّعت أن تعيش مع حبيبها حياةً ملؤها السّعادة. هذا ما حدث مع ميرا التي لم يمضِ على فراقها الحبيب أكثر من شهر: "التقيتُ فارس الأحلام بعد أن كبرتُ في السّنّ. كان هناك غرامٌ وولعٌ متبادل، فقرّرنا أن نخطب خطبةً غير معلنةٍ للتّأكّد من صواب الخطوة. كنتُ مهووسةً به لدرجة أنّني لم أرى أيّ عيبٍ فيه. لقد كان مثاليّاً في نظري ولا منافس له في الجمال والشّخصيّة والعلم... أمّا هو فقد أرادني أن أصير الأفضل في كلّ شيء: الرّياضة، والجسد الجميل، والثّقافة، والمعرفة، والطّهي... كان يتوقّع أو يريد بالأحرى أن أصل إلى مستوى فتاة أحلامه؛ وإذا لم أتجاوب مع طلباته يعني ذلك برأيه أنّني لا أحبّه. بات الأمر مَرَضيّاً وجنونيّاً. كان يضعني في مواقفَ مُحرجةٍ كثيراً ليختبر ردّات فعلي إذا كانت جيّدةً وبحسب توقّعات رفاقه وعائلته. شعرتُ أنّني في قفصٍ و"مضغوطة"، لكنّني صبرت لأنّني أحبّه، منتظرةً منه أن يتغيّر مع الوقت".
وتتابع: "ساءت الأمور بيننا. فأنا لم أكن قادرةً على تنفيذ كلّ رغباته، وهو لم يُشعرني بالطّمأنينة والسّعادة المرجوّة... لذلك كان لا بدّ من الجرأة وطلب إنهاء الخطوبة. لكنّني لا أخفي أنّ هذه الخبرة جرحتني وسبّبت لي حالة إحباطٍ تحجب عنّي رؤية مستقبلٍ زاهرٍ كما كنت أحلم وأنتظر".

 تعيش الفتاة في عالم الخيال والرّومانسيّة علىعكس الشّابّ

منى تُعلّق بأسى على واقع الشّباب والفتيات المُقدمِين على الزّواج عن غير نضجٍ ووعي قائلةً: "في أغلب الأوقات ألاحظ عدم وجود حبٍّ وغرامٍ بين الشّريكَيْن، بل هما يتعرّفان إلى بعضهما بسبب الرّغبة في الزّواج وتأسيس عائلة، فالأمور تجري هكذا في المجتمع: هو يبحث عن فتاة أحلامه، وهي تبحث عن فتى الأحلام، فيدخلان في العلاقة على توقّعٍ مُفترضٍ ليخرجا منها بخيبة أمل، ذلك لأنّهما لا يفكّران في قدرتهما على العيش ضمن شراكةٍ فعليّةٍ على أسّسٍ معيّنةٍ ومحدّدةٍ وشفّافة. الفتاة دائماً لديها توقّعاتٌ أكبر وأكثر من الرّجال، ورومانسيّةٌ أكثر وتحبّ المفاجآت، على عكس الرّجل تماماً، لأنّ المجتمع منذ الطّفولة يقوم على أنّ تعليم البنت يختلف عن تعليم الصّبيّ، وعلى أنّ الصّبيّ لا يجوز له أن يبكي "لأنّو رجّال"، وأنّه يجب أن يُدافع عن نفسه من دون أن يأكل أحدٌ حقّه، وعلى تعليمه العُنف بإهدائه مسدّساً ودبّابة... أمّا الفتاة فنلبسها الفستان الأبيض في حفلات الزّفاف وكأنّ ذلك  يجب أن يكون هدفها في الحياة، ونجعلها تُشاهد أفلامCendrillon" " و"Blanche neige" التي تنتهي دائماً بنهاياتٍ سعيدة، من دون أن نوضّح لها ماذا يُمكن أن يحصل بعد الزّفاف من مشاكلَ ومطبّات... حتّى في الأغاني يُردَّد أنّ فارس الأحلام سيأتي على حصانٍ أبيض! وهذه مشكلةٌ في المجتمع، أيْ أنّه يوهم الفتاة بعيش هذا النّهار الموعود، أنّه "لازم تِنستر". ويؤثّر الإعلام سلباً أيضاً في نمط التّفكير هذا، بحيث يُصوّر للمجتمع – بخاصّةٍ في المسلسلات - أنّ الأساس في العلاقة هو الجمال والرّومانسيّة والمال: يجب أن أعيش الرّومانسيّة مع فارس الأحلام ويجب أن يكون غنيّاً ورائع الجمال أو أنّه سيصبح غنيّاً. إذاً، تعيش الفتاة في عالم الخيال، والحبّ، والرّومانسيّة بعكس الشّابّ. ولهذا تتعرّض معظم الفتيات للصّدمة بعد الزّواج، لأنّ الشّابّ ينشغل بأمور الحياة أكثر".

 بين ما ننتظر وما نتوقّعه، يبقى أن تتحرّر الفتاة والشّابّ المُقدمَان على الزّواج من رغباتهما الأنانيّة نحو المحبّة الحقيقيّة. من حبّ الذّات وإشباع رغباتهما إلى قبول الآخر وحبّه وكُلِّيّة العطاء له.

مقالات قد تثير اهتمامك