طفلي يُطالب باستقلاليّته باكراً هل أردعه أم أشجّعه؟

 يبدأ الطّفل بالمطالبة بالاستقلاليّة في عمرٍ مُبكّر، أيْ مع ظهور أولى إشارات الاستقلاليّة الجسديّة لديه. فنراه بدءاً من الشّهر السّادس يرفض الاستلقاء من أجل تغيير الحفّاظ فيميل نحو اليمين ونحو اليسار وينتظر أن نحرّره من هذه الوضعيّة لكي يُعاود اللّعب على طريقته.

 مع تقدّمه في السّنّ، يصدّ الطّفل كلّ محاولةٍ نقوم بها للحدّ من حركته، إذْ مع اقترابه من عمر السّنة تتطوّر قدراته الحركيّة التي تسمح له أكثر فأكثر بالتّوجّه نحو أهدافٍ يرصدها، ما يتسبّب بالتّعب والانزعاج للأهل. هنا، لا بدّ من التّشديد على ضرورة ترك مساحةٍ من الحريّة للطّفل الذي لا يُمكنه تطوير قدراته الذّهنيّة ومهاراته الحركيّة إلاّ عن طريق استكشاف كلّ ما يحيط به.

 لا تحدّي من حركته

إذاً، ما هو الحلّ من أجل تفادي الحوادث التي تُعرّض أطفالنا للخطر؟
من المهمّ أن نُرافق الطّفل ونراقبه عن كثبٍ في أوّل سنتَيْن من عمره، أو على الأقلّ حتّى بلوغه الشّهر الثّامن عشر، ولكن من دون أن نحدّ من حركته ونُجبره على الجلوس ساعاتٍ طويلة. فالمخاطر تُحدّ بالحرص على عدم وجود أغراضٍ سهلة الكسر أو مؤذيةٍ قد تُسبّب الجروح للطّفل. وما دام تحفيز الطّفل هو أمرٌ أساسيٌّ ومهمٌّ من أجل حثّه على تحسين قدراته الذّهنيّة وتطوير وظائفه الإدراكيّة، من الضّروريّ توفّر أغراضٍ غير مؤذيةٍ تُثير فضوله وتعرّفه محيطه. وإنّ مشاركة الطّفل أيضاً في رحلته الاستكشافيّة مهمّةٌ جدّاً، وهي تتمّ بالتحدّث إليه بهدف ذِكر أسماء الأشياء، وكيفيّة استعمالها، وألوانها، إلخ...

 درّبيه تدريجيّاً على تحمّل المسؤوليّة

عند النّصف الثّاني من العام الثّاني، يُصبح الطّفل أكثر تمكّناً من السَّير بمفرده، فيتنقّل في المكان بحزمٍ ويسعى إلى إبراز قدراته الجسديّة كإصراره على "تسلّق" الكنبة للجلوس بمفرده، أو على الدّخول إلى أماكنَ ضيّقةٍ على الرّغم من الجهود التي يبذلها الأهل لمنعه. هنا تبدأ مهمّة الأهل التي تكمُن في مساعدة الطّفل على تطوير استقلاليّته وتدريبه على تحمّل المسؤوليّة في هذا العمر المُبكّر. على سبيل المثال، من الضّروريّ أن نطلب من أطفالنا جلب الحفّاظ من الدُّرج، أو زجاجة المياه الصّغيرة الموضوعة على الطّاولة، أو وضع الألعاب في الصّندوق... طبعاً، لن يتمكّن الطّفل من الالتزام الكلّيّ بالتّعليمات الممنوحة له في هذا العمر المُبكّر، بل يكمُن الهدف الأساسيّ من ذلك في التّدريب التّدريجيّ على التّصرّف بطريقةٍ مستقلّة، ومن المهمّ أن يشعر الطّفل أنّنا فخورون بما ينجزه وأن ينال التّحفيز المناسب الذي يشجّعه على المضيّ في إثبات ذاته.

 وعند النّصف الثّاني من العام الثّالث تقريباً، يُصبح بإمكان الطّفل أن يغسل يدَيه بمفرده مع مرافقة الأهل طبعاً، الّذين يحرصون على توفير محيطٍ مناسبٍ يُسهّل عليه القيام بهذه المهمّة، كأن يضعوا له كرسيّاً صغيراً يقف عليه بهدف التّمكّن من الوصول إلى مستوى المَغسَلة. أمّا تناول الطّعام، فلا شكّ في أنّه مهمّةٌ سهلةٌ بالنّسبة إلى طفلٍ في عمر الثّلاث سنوات. ففي هذا العمر، يتمكّن الطّفل من تناول الطّعام بمفرده، ولكن من دون استخدام السّكّين، مع ضرورة تدخّل الأمّ من أجل تقطيع المأكولات فقط وذلك قبل البدء بتناولها، وإعطاء بعض الإرشادات كاستخدام الفوطة لمسح الفم. إنّ تدريب الطّفل على أصول المائدة يبدأ في منتصف العام الثّالث تقريباً، وكلّما تقدّم الطّفل في السّنّ أصبح التّقيّد بهذه القوانين أكثر سهولة.

كلّ هذه الأمور وغيرها تُسهم إسهاماً كبيراً في اعتياد الولد تحمّل المسؤوليّة في عمرٍ مُبكّر. ولكنْ لكلّ عمرٍ مسؤوليّاته التي تُطوّر الطّفل على مختلف الأصعدة.

 شجّعيه على البحث عن الحلول بواسطة اللّعب

يتدرّب الطّفل على البحث عن الحلّ المُناسب لمشكلةٍ معيّنةٍ بواسطة اللّعب مع ذويه. وهنا نُشدّد على ضرورة استخدام الألعاب الفكريّة ابتداءً من العام الرّابع، بحيث يُطلَب من الطّفل إخراج الصّبيّ من مأزقٍ معيّنٍ وإيصاله إلى بيته من دون المرور بجانب الذّئب مثلاً، أو أن يجد بين المأكولات تلك التي تتسبّب للفتاة بآلامٍ في البطن، أو أن يجد الطّريقة المناسبة التي تساعده على إيجاد صورتَين متطابقَتَين في ألعاب الذّاكرة مثلاً.
إنّ اعتماد الطّفل على نفسه في هذا المجال، بعد تلقّيه التّدريب المناسب، يُساعده على تثبيت ذاته.
وعلى الأهل أيضاً أن يدرّبوا أولادهم في الرّوضة الأولى على ارتداء السّترة والقبّعة بمفردهم وذلك عند بداية العام الرّابع. ونذكر أنّ معظم الأطفال لا يتمكّن من القيام بمثل هذه المهامّات بمفردهم من دون أيّ مُساعدةٍ من شخصٍ راشدٍ قبل النّصف الثّاني من العام الرّابع.

 ماذا عن تقوية شخصيّة الطّفل؟

إنّ اختلاط الطّفل بالآخرين منذ نهاية العام الأوّل، هو أمرٌ ضروريٌّ يُساهم في تأمين تطوّرٍ اجتماعيٍّ سليمٍ يسمح له تدريجيّاً بالتّعبير عن ذاته وأفكاره بحضور أطفالٍ من عمره وأشخاصٍ راشدين، وذلك حتّى قبل اكتسابه النُّطق. لذلك ننصح بتوفير الظّروف المناسبة التي تسمح لأطفالنا بالاحتكاك بأناسٍ آخرين، وذلك بهدف تقوية شخصيّتهم وحثّهم على نقل رغباتهم للآخر.
إنّ تمكّن الطّفل في عمر الأربع سنوات من طلب كوب ماءٍ من صديقة أمّه ليس أمراً سهلاً، فهو يتدرّب عليه منذ منتصف العام الثّاني حين تُشجّعه أمّه على طلب الماء منها بلفظ كلمة: "ماء".

 نصائحُ تُرافق أولادكم

إليكم بعض النّصائح بهدف مرافقة أولادكم في تثبيت ذاتهم وتدريبهم على الاستقلاليّة:

  •  أعطوا أطفالكم وقتاً كافياً للقيام بالأعمال المطلوبة منهم ولا تنوبوا عنهم في تنفيذ المهامّ  الموكلة إليهم. إذ باستطاعة الطّفل في عمر الثّلاث سنوات مثلاً أن يحمل الصّحن إلى المطبخ للغسيل، فلماذا تقوم الأمّ بهذا الأمر؟!
  •  احترموا رغبتهم في الاعتماد على أنفسهم أثناء قيامهم ببعض الأفعال مثل صعود الدّرج في العام الثّالث، أو فتح الكيس لأكل الحلوى، أو تنظيف طاولتهم الصّغيرة حيث تناولوا الطّعام...
  •  بدءاً من العام الرّابع، أشركوهم في بعض المهمّات مثل تحضير الطّعام، أو وضع الثّياب في الغسّالة، أو وضع الجوارب في الدّرج المناسب إلخ...
  •  شجّعوهم على المُضيّ في تحمّل المسؤوليّات الموكلة إليهم، وذلك بالمكافآت المعنويّة التي نشدّد على أهميّتها.

 إن القدرة على تحمّل المسؤوليّة تدفع الولد إلى تقديم المساعدة للمحيطِين به، فنرى كيف يتحوّل من طفلٍ يظنّ أنّه محور العالم إلى ولدٍ يهتمّ برغبات الآخرين ويسعى إلى توفير الرّاحة لهم.

مقالات قد تثير اهتمامك