شموس فاطمة المرنيسي

بينما كان الإرهابُ يضربُ باريس، بعد أوطاننا المُستباحةِ من كلّ حدبٍ وصوب، كانت فاطمة المرنيسي تستعدُّ للرّحيل في الرّباط. الكاتبةُ والمناضلةُ النّسويّة بالحفر التّاريخيّ/ الاجتماعيّ في الإسلام والأدب والذّاكرة الشّعبيّة المغاربيّة، لطالما ساءلت الذّكورةَ العربيّة عن مكانة المرأة ودورها واستلاب حقوقها، متّكئةً على مناهج البحث الغربيّة وعائدةً إلى القرآن الكريم تقرأه قراءةً إنسانيّة، موجِّهةً ضرباتها إلى فقهاء الذّكورة والسّلاطين.
نظرتْ في الدّيمقراطية والإسلام والخوف من الحرّيّة. وأعادت التّذكيرَ بأدوار المرأة العديدة في التّاريخ الإسلاميّ مستنكرةً حصر النّساء لاحقاً في مؤسّسة «الحريم» المعشِّشة في البنية الذّكوريّة. درست أسبابَ الحطّ من المرأة وإزاحتها من المجال العامّ لافتةً إلى طاقتها الجنسيّةِ المُخيفة للرّجل. لم يفتها التّعريج بالنّقد على تنميطِ المؤسّسة الثّقافيّة الغربيّة للشّرق، كـ «استيهامات» الغربيّين مثلاً عن المرأة في الإسلام (كِتابُها «هل أنتم محصّنون ضدّ الحريم؟»).

ولم تكتفِ المرنيسي بالبحث الأكاديميّ بل تخطّته إلى التّعليم والتّأثير في جيلٍ من الباحثين والباحثات في وطنها والعالم، وعلى الحركات النّسويّة العربيّة.
الباحثةُ التي اختارت لغةَ مستعمِرِ بلادها السّابق لتكتب، ربّما باعتبارها «غنيمةَ حرب»، لم تتوانَ عن توظيف أفضل ما في الفرنسيّة من معارفَ وأدواتٍ لتُعيدَ صياغةَ هويّةِ المرأة المغربيّة، وتحريرها من المحرمّات «الدّينيّة» والاجتماعيّة، فتستعيد مع جسدها الحقَّ في الحبّ والمُتعة ومساواةَ الرّجل في المسؤوليّة والإرث والتّعليم والعمل و...الدّين.

وتشاءُ الصّدفُ «الخبيثة» واللّذيذةُ أن تجتمعَ على مواقع التّواصل الاجتماعيّ بعد أسبوعَين على تفجيرات باريس صورةُ ثلاثِ حاملاتِ نهودٍ بألوان العَلم الفرنسيّ علّقتها مواطنةٌ فرنسيَّة على شرفتها، تعبيراً عن ارتباط حياة الفرنسيّين بالمُتعة وجسد المرأة بالحرّيّة، وصورُ المرنيسي بثيابها الزّاهية أينما حَلّت كأنّما تُعاندُ الموتَ وكلماتِ رثائها. ختاماً، من أسئلةِ شهرزادنا المعاصِرة وكِتابِها «الحبُّ في حضارتنا الإسلاميّة» نستعيدُ سؤالَين اثنَين: «هل أنا كامرأةٍ من العالم الإسلاميّ ذاتٌ أو شيء؟» و«هل الحبُّ والجنسُ في بلادنا الرّاهنة مجالٌ للحرّيّة والسّعادة أو للقمع والتّسلّط؟».
فاطمة المرنيسي شمسُ كلماتك تسطعُ ما دام في شرقنا ليل.

مقالات قد تثير اهتمامك