عشتُ غـريبــاً ووحيداً... فهربتُ من البيت

تتخبّط الأفكار كأمواج البحر على صخور الوحدة واليأس والتّخلّي... وبين مدٍّ وجزرٍ تُسمع صرخة المراهق المدوّية: لم أعد أحتمل، أهلي لا يفهمونني ولا يريدون أن يفهموني... هل أهرب من البيت؟ أو أنتظر وأصبر؟ ولكن إلى متى، وإلى أين أمضي؟ وكيف أؤمّن معيشتي وأنا لا أعمل بعد؟

هي فجوةٌ في التّواصل بين الأهل وأولادهم بسبب عدم حضور الأهل أو بحثهم عن التّسلّط وفرض أفكارهم وأنماط العيش التي ترضيهم، في الوقت الذي يبحث الأولاد عن الحريّة والسّعادة وتكوين الشّخصيّة والعلاقات. ولأنّ كليهما يجد أنّ وجهة نظره هي الأصحّ؛ تكون النّتيجة مزيداً من الضّغط، وعدم التّفهّم، ومشكلةً في التّواصل... فهل يكون الحلّ بهرب المراهق/ة من البيت؟

والدٌ غير رحيم وعُنفٌ جسديٌّ ونفسيّ

سوزان قرّرت الهروب. لم تتردّد للحظةٍ في اتّخاذ هذا القرار. مضت بعيداً بعد ردّة فعل والدها العنيفة إثر حادثة اغتصابها. اليوم، وبعد مرور زمنٍ طويلٍ على الحادثة المؤسفة، تتحدّث سوزان بثقةٍ وبغصّةٍ تُخفي جُرحاً عميقاً آلمها أكثر من تعرّضها للاغتصاب، وهو رفض أهلها لها: «كنتُ في السّادسة عشرة من العمر، أتابع دراستي بدوامٍ متقطّعٍ بسبب المشاكل الّتي نُعانيها في البيت وما ينتج عنها من عُنفٍ جسديٍّ ونفسيّ. والدي غير رحيم! قويٌّ وعصبيّ، لا أحد يجرؤ على مناقشته ومخالفة رأيه. كنتُ وحيدةً أبحث عن الحريّة والسَّند، إلى أنْ وجدتُ ما كان ينقصني في شابٍّ أحببته. لم أرغب يوماً في ممارسة الجنس معه، لكنّه أرغمني بالقوّة على فعل ذلك. ما آلمني حقّاً هو أنّ أبي بدلاً من أن يحضنني، شتمني وضربني مُتبرّئاً منّي ومردّداً على مسمعي: أنتِ عارٌ على العائلة، ولا تستحقّين أن تحملي اسمها». لم أتحمّل هذا الضّغط اليوميّ الثّقيل فهربت».

العمل والمال أهمّ من الأبناء

بعد محاولتها الهرب أكثر من مرّةٍ وصولاً إلى محاولة الانتحار؛ تُدافع ماريّا بقوّةٍ عن قرارَيها قائلة: «أهلي يكبرونني بحوالي 40 سنة. بالنّسبة إليهما، إنّ توفير حياةٍ ماديّةٍ رغيدةٍ لنا جميعاً أهمّ من الاهتمام العاطفيّ بأولادهما. كانا ينظران إليّ على أنّني فتاةٌ قويّةٌ جدّاَ، ليس لديّ مشاكلُ أو هموم، فلا يحسبان أنّه من الضّروريّ أن يتحدّثا معي ويضيّعا وقتهما الثّمين عليّ، فهناك ما هو أهمّ... لم أشعر يوماً بوجودهما إلى جانبي! لقد ترك الأمر في نفسي انطباعاً سيّئاً، إذ لم أهتمّ بالمال والحياة المادّيّة والعمليّة بقدر الحاجة إلى تواصلٍ عاطفيٍّ وروحيٍّ وفكريّ. بتُّ أشعر أنّني عبءٌ عليهما. أذكر حادثةً بسيطةً من بين عددٍ لا يُحصى: صار عمري 23 سنة ولا تزال أمّي تسألني: «كيف تحبّين القهوة؟»! تعرف ذوق الخادمة ولا تعرف كيف تحبّ ابنتها القهوة! ذات مرّةٍ واجهتهما سائلة: لمَ أنجبتما الأولاد؟ فأجابا بثقة: ليهتمّوا بنا عندما «نكبر». فكانت الصّدمة، وكأنّ العلاقة العائليّة هي علاقة مصلحة». وتستطرد قائلة: «هل يُعقل لأمٍّ ألاّ تُطلع ابنتها على الدّورة الشّهريّة؟! حتّى الصّدريّة، لم أُدرك وجوب ارتدائها من أمّي بل من جارتنا... كنّا نعيش في بيتٍ واحدٍ إنّما كغرباء».
وتتابع ماريّاً قائلةً: «كلّ المشاكل الّتي مررتُ بها في حياتي لم أجد أي أذنٍ صاغيةٍ لها: أبي غائبٌ سمعاً وحضوراً، وأمّي عصبيّةٌ مجرّدةٌ من العواطف. ببساطةٍ التّواصل معهما مقطوعٌ ومبتورٌ كليّاً».
هذا الوضع، جعل ماريّا تكره أهلها، فما إن وقعت أوّل مواجهةٍ بينها وبين أمّها حتّى تركت البيت هاربةً كما تسرد لنا: «حين ضربني أخي ذات مرّة، صرخت أمّي في وجهي بحدّةٍ وجنونٍ لا يوصف من دون سبب؛ فما كان منّي إلاّ أن هربت من البيت نتيجة كلّ هذا التّراكم. وبعد مضيّ أسبوعَين من السّكن عند الأقارب عدتُ إلى المنزل لعدم امتلاكي المال الذي لو توفّر لطال هروبي. تكرّر الأمر أكثر من مرّة، حتّى وصل بي الأمر إلى محاولة الانتحار بالأدوية. أذكر أنّ أمّي حينها بدلاً من أن تمنعني من ذلك قالت لي: لماذا تُعلّمين أخاك الصّغير تناول الأدوية هكذا؟!».

يريدون أن يُبعدوني عمّن أحبّ

بعد أربع سنواتٍ من المشاكل مع أهله بسبب حبّه لفتاةٍ من غير دينه قرّر توفيق الهروب والرّحيل بعيداً عنهم: «لقد وقفوا بحدّةٍ محاربين هذه العلاقة غير المُتجانسة دينيّاً. حاول أبي رشوتي بالمال وإيقاعي في فخّ العلاقات العاطفيّة المُتعدّدة لكي أبتعد عمّن أحبّ، حتّى إنّه هدّد بإيذاء حبيبتي إذا لزم الأمر... لكنّني لم أرضخ. ذات يومٍ احتدّ النّقاش بيني وبينه، فصرخ في وجهي بجنون: «أريد منك أن تنسى هذه الفتاة كلّيّاً. لن تتزوّجها مهما حصل. سوف أقتلها بيدي». لم أعِرِ الأمر أهميّةً فقد اعتدتُ صراخه، وأجبتُه بسخرية: «لن تحرمني من الفتاة الّتي أحبّ. أنا مستعدٌّ أن أخسر أهلي وكلّ شيءٍ لأجلها». لم يتحمّل أبي فقدانه السّيطرة الأبويّة عليّ، فهجم عليّ بوحشيّةٍ قائلاً: «لن ترى هذه الفتاة أبداً وانتهى الموضوع. لستَ برجلٍ على الإطلاق!». في هذه اللّحظة جننتُ فعلاً: كسرت المرآة وبعض الكراسي... ورحلتُ ولم أعد أبداً».

لا يُمكنني أن أكون الشّخص الّذي يحلمان به

كارول تبحث عن السّعادة والحريّة، وعن اندماجها في المجتمع المعاصر. لم تصل معها الأمور إلى حدّ الهرب، لكنّها تتذكّر خبرتها السّيّئة مع والدَيها: «عدم التّواصل مع أهلي سببه نظرتي إلى الحياة. ماذا أريد وبماذا أؤمن؟ لا يُمكنني أن أكون الشّخص الّذي يحلمان به، ولا يمكنهما أن يفرضا عليّ بالقوّة مبتغاهما. من أصغر التّفاصيل إلى أكبرها، من وقت الاستيقاظ صباحاً حتّى اختيار الاختصاص. بالنّسبة إليهما الموسيقى والفنّ مضيعةٌ للوقت، وهي حبّ حياتي. لا يهتمّان بما أحبّ أو أسعى إلى تحقيقه لمستقبلي وسعادتي. لقد حاولتُ إنشاء فرقةٍ موسيقيّةٍ مع رفاقي، ولكنّها كانت دائماً تُقابل بالرّفض: «شو هالجنون الّلي بتِسمَعي! طوَشتينا. إنتِ ما عندِك هموم نِيّالِك ما أفضى بِالك. لَشو خلّفتك أنا! يا ريتني مِتِت وما ولّدتِك»... هذا ما كانت تردّده أمّي. كنتُ بحاجةٍ إلى من يسمعني ويفهمني، إلى سندٍ ينصحني في المراحل الصّعبة عند مواجهة المشاكل أو عند مواجهة خياراتٍ جديدة... فماذا أفعل عندما لا أجد أهلي قربي؟! صار عندي عالمي الخاصّ وفكّرت بالرّحيل طبعاً لكنّني لم أجرؤ».
لازم يطلع رجّال

بحسرةٍ يحدّثنا أيضاً رامي عن طفولته: «عشتُ غريباً وحيداً لم أسمع إلاّ صوت الموت. كنت أسيراً تائهاً بلا هدف. «لازم يطلع رجّال. ممنوع يبكي. لازم يكون الأوّل بمدرستو»... هكذا كان يقسو عليّ الأهل منذ الصّغر. كنتُ وحيداً عند أهلي لذلك كانا يتوقعان منّي أموراً كثيرة. خطّطا مستقبل عملي على هواهما. وعند كلّ استحقاق، كنتُ أتعرّض للضّرب إنْ لم أكن على قدر التّوقّع. كنتُ أعوّض النّقص العاطفيّ بالأكل والشّراهة. لم ينتبها لمعالجة جذور المشكلة، بل كان همّهما نظرة النّاس إليّ. لم أشعر أنّهما أهلي، لا أبوّة ولا أمومة ولا صداقة! لم أفكّر بالهرب جدّيّاً لأسبابٍ ماديّة، إنّما عشتُ في وحدةٍ أتساءل: لمَ أنا موجود؟!».

بالإنسان حاجة إلى سندٍ منذ الطّفولة

تدخّلٌ في اختيار شريك الحياة؛ نقص العاطفة والتّوجيه وبناء الصّداقة؛ محبّةٌ عمياءُ وتعلّقٌ بالأولاد؛ خوفٌ زائدٌ عليهم؛ تأثير الخبرة التّربويّة للأهل وتطبيقها على الأولاد؛ عدم احترام الخصوصيّات؛ معاملة الأبناء وكأنّهم لا يزالون صغاراً؛ التّمييز في المعاملة بين الفتاة والصّبيّ أو البكر والأصغر؛ إظهار عيوب الأولاد أمام الآخرين... كلّها أسبابٌ تخلق فجوةً في التّواصل السّليم بين الأهل والأولاد، أساسها عدم الإصغاء وعدم تفهّم المراهقين واستيعابهم... فلعلّ مشكلة التّواصل هذه بين الأهل والأبناء تعود إلى أنّ بالإنسان حاجة إلى سندٍ منذ الطّفولة وبخاصّةٍ في عمر المراهقة لأنّها مرحلةٌ انتقاليّةٌ مهمّةٌ تبني مداميك شخصيّة الإنسان. وإلى أنّ بالأولاد حاجة إلى من يتحمّلهم ويرافقهم وينصحهم ويفهم احتياجاتهم. فعندما تنكسر لعبة الطّفل على سبيل المثال، قد يكون من المفيد أن تجثو الأمّ أمام طفلها فتحضنه وتفهم سبب بكائه، لا أن تصرخ في وجهه وتتصرّف معه على أنّه كبيرٌ أو أن تضربه. كذلك لعلّ الكمّ الهائل من المعلومات والضّغوطات وطريقة الحياة العصريّة تدفع الأهل إلى التذمّر من تمرّد أبنائهم ورفضهم كلّ نصيحةٍ وكسر السّلطة، وحاجاتهم الماديّة الزّائدة، وعدم تحمّلهم المسؤوليّة، ولامبالاتهم وانحرافهم الرّوحيّ أو نزوعهم إلى التّحرّر من الأفكار التّقليديّة. في حين يتوقّع الأهل أن يهتمّ بهم أولادهم كما فعلوا لأجلهم فتخيب آمالهم.

لنشاركهم في بحثهم عن معنى لحياتهم

بمختلف الأحوال، كلّ طرفٍ يبذل جهده كي يثبت كيانه ويحظى بالأمان، ولكن يبقى من مسؤوليّة الأهل الإصغاء إلى أولادهم منذ الطّفولة: إلى احتياجاتهم وأفكارهم وأحلامهم، إلى مشاكلهم العاطفيّة وهمومهم، قلقهم وتوقّعاتهم وخياراتهم ومخاوفهم. فلنشارك المراهقين والشّباب في بحثهم عن معنى لحياتهم وسبب لوجودهم، وبحثهم عن أصدقاءَ أوفياءَ وعمّن يسمعهم ويتفهّمهم ويحضنهم، حتّى في مرحلة رفضهم وتمرّدهم.

مقالات قد تثير اهتمامك