"التلطيش" أو المعاكسة بنكهة نسائية متحررة

روزين علي 
كانت جالسةً في أحد المقاهي المُطلّة على الشّارع العامّ في بيروت، لتستدير فجأةً مع فنجانها  نحو اليمين، وتقول مأخوذةً بسحره "واووووو شو هيدا". أمّا هو فالتفت نحوها مُبدياً إعجابه بما قامت به، وأرسل لها ابتسامة "خجولة" شكر وتقدير لِما قامت به، أيْ حسب المفهوم العامّ لثقافته بـ "تلطيشه" (معاكسته).
هذا المشهد الذي نقلته لنا "دارين" ليس الأوّل من نوعه، فهي اعتادت على تركيب هذا النّوع من المشاهد بشكلٍ عفويٍّ كلّما رأت شابّاً يُثير إعجابها، ما يَعني أنّ ظاهرة "التّلطيش" لم تعد حكراً على الرّجال فقط، بل أصبح للنّساء أسهمٌ فيها. 
سماح: "الكلّ يأخذ نصيبه منّي" 
تقول "سماح" إنّ صورة تلطيش الشّباب للفتاة لم تتغيّر في مخيّلتها منذ الطّفولة، وهذه هي الصّورة التي تعوّدت عليها وليس العكس. وتُضيف: "كنتُ في كثيرٍ من الأحيان أنزعج من تلطيش الشّباب لأختي في الشّارع والتي كانت تندرج أكثر تحت خانة المُضايقات الكلاميّة، التي كانت تتسبّب بمُشادّاتٍ كلاميّةٍ بينها وبين أحدهم. لكنْ، عندما كبرتُ أدركت أنّ الزّمن انقلب على رؤوسنا نحن الفتيات، بحيث بتنا نلعب دورهم، إنّما مع اختلافٍ بسيطٍ في الصّورة، أيْ أنّ الشّاب عندما يتعرّض لتلطيشٍ نسويٍّ يعتبر نفسه أنّه "ملك زمانه". وتتابع "سماح" مبتسمةً: "لا أحد يستطيع أن ينجوَ من تعليقاتي سواءٌ كان الشّاب جميلاً أو لم يكن، فالكلّ يأخذ نصيبه منّي بالتّلطيش، ولا أظنّ أنّ هناك رجلاً في الكون كلّه ينزعج عندما توجّه إليه الفتاة كلمةً "حلوةً". 
"حقّ المبادرة مثله تماماً"
من جهتها تستغرب "لورا" تشريع التّلطيش للرّجل فقط، وعدم إباحته للمرأة التي تُمنع من التّعبير عمّا يجول في خاطرها، تقول: "لقد اعتاد الكثير من النّاس على مبادرة الرّجل في كلّ شيءٍ حتّى في التّلطيش، هذا بالإضافة إلى تصنيفهم بعض التّصرّفات على أساس الجنس (أنثى وذكر)، وهذا أمرٌ لا يجوز ولا أساس له من الصّحّة، فالمرأة باتت متساويةً مع الرّجل في كلّ شيءٍ، لذا يجب أن يكون لها حقّ المبادرة مثله تماماً، خصوصا عندما تشعر بوجود ضرورةٍ لذلك، ويشمل الأمر التّلطيش أيضاً". 
"برنسيس التّلطيش"  
أمّا "ملَك" فتصف نفسها بأنّها ذات الشّخصيّة الأقوى بين زميلاتها، لأنّها تكون دائماً المُبادِرة الأولى في كلّ شيءٍ ولأنّها لا تتوانى لحظةً عن القيام بما تحبّه. تقول: "الجميع يعرف أنّني لا أتقيّد بأيّ قاعدةٍ على وجه الأرض، وأنّني لا أتردّد في تلطيش الشّابّ الذي يلفت نظري لدرجةٍ أنّ البعض صار يُطلق عليّ لقب "برنسيس التّلطيش".
"شخصيّةٍ مزدوجةٍ"
هذا الحماس الذي تُظهره الفتيات الثّلاث تعيشه "نتاليا" بالرّغم من اعترافها بأنّ "المجتمع يملك حقّ تصنيف السّلوكيّات على أساس الجنس (أنثى وذكر)، وبالتّالي من الطّبيعيّ جدّاً أنْ يُشرِّع بعض السّلوكيّات للشّابّ وفي الوقت ذاته يُحرّمها على الفتاة، ذلك أنّ مجتمعنا مجتمعٌ ذكوريٌّ بامتيازٍ، ما يعني أنّ الحديث عن التّلطيش هو حديثٌ يخصّ الرّجل فقط".
نتاليا هي شقيقةٌ لثلاثة شبّانٍ، تسعى دائماً إلى أنْ تُثبت لهم - ولغيرهم - أنّ لا فرق بينها وبينهم، خصوصاً أنّها اكتسبت منهم الكثير من العادات الذّكوريّة، ومنها التّلطيش الذي تجد فيه لذّةً خاصّةً. 
"التّلطيش روح الحياة" 
"ندى" تعتبر أنّ التّلطيش روح الحياة وبخاصّةٍ إذا صدر عن فتاةٍ "وحتّى لو كانت العبارات بسيطةً وقليلةً، فهذا دليلٌ على تميّز الفتاة وتفرّدها بشخصيّتها على عكس ما يعتبره البعض بأنّه دليلٌ على تدنّي المستوى الأخلاقيّ والانحطاط الفكريّ". تُضيف: "عندما يصدر التّلطيش عن فتاةٍ فيكون صادقاً وشفّافاً على خلاف ذاك الصّادر عن الشّاب، أقول ذلك انطلاقاً من تجربتي الشّخصيّة". 
أصبحت مسألة "التّلطيش" بين الفتاة والشّاب في العصر الحاليّ في كفّة ميزانٍ يتأرجح فيها الطّرفان دائماً بحسب ثقافة المجتمع ودرجة وعيه، لكنْ تبقى الكفّة الغالبة هي للشبّان كونهم هم مَن اخترعوا هذه الظّاهرة.

مقالات قد تثير اهتمامك