لبنان نحو تشريع البغاء؟

لبنان نحو تشريع البغاء؟

لأن ممارسة الحبّ بالعيون فنٌّ معقَّدٌ وهو وقفٌ على الشرق، كما يرى الشاعر سركون بولص. ولأن دون الزواج عراقيل اقتصادية كبرى تواجه الشبّان والشابّات قبل اواخر العشرينيات وحتى الثلاثينات من اعمارهم. والمساكنة بدورها غيرُ مقبولة ومتعذّرة اقتصاديّاً. ولأن الجنس العابر نفسه، خارج الزواج، زنى وحرامٌ وليس دوماً بالمتوفّر. ماذا يبقى امام الشباب لتنفيس طاقته الجنسية، توازياً مع "الجنس بالنظرات" ومع الحب العذريّ الذي قد يظلّ عذريّاً الى اجلٍ غير مسمّى وقد يترافق مع ممارسة الرجل الجنس مع امرأة لا يحبّها محتفظاً بفتاته عذراء او نصفَ عذراء؟ لا يبقى الا الاحتقان متحوّلاً عنفاً نحو الذات والآخر، أيِّ آخر، جنحاً مختلفةً وتحرّشاً جنسيّاً وجرائم اغتصاب (وربما جهوزيّة للحرب الأهلية متى ما دُقّ نفيرُ المصالح). ثمّ انه في كنف مجتمعات محافظةٍ، ذكوريّة، بعد نشؤ العائلة والمُلكية الخاصة في التاريخ، تحوّلت "اقدم المهن" مؤسَّسةً ل"حفظ" العرض والشرف تستقبل الذَكرَ في "جنّتها" بدل ان يحصل على اللذة من احدى قريباته او اخت صديقه مثلاً. ففي "بيت المتعة" يجامع الرجل من قُذفت الى المكان نتيجةَ فقرٍ مدقع او بعد تعرّضها لاغتصابٍ وربما حَمْلٍ. وهو بالطبع "حلٌّ" على حساب المرأة الضعيفة والمنتهكة (باستثناء من تختار الدعارةَ طوعاً، ولسنَ بالكثيرات) عدا انه يناسب الرجال وحدهم كما لو ان المرأة حقاً كائنٌ "رقيق ولا جنسيّ"، حتى عند معاشرتها داخل الزواج حيث لا يكترث الزوج لرغباتها ونشوتها (اما في الغرب المعاصر فبات باستطاعتها الحصول على الجنس من رجال يعملون في البغاء).

لا ريب ان بيوت الجنس ما زالت قائمة حتى في اوروبا والولايات المتحدة حيث الحريات الفردية لا يستثنى منها جسد المرأة كما الرجل ولكنّ الحصول على الجنس ليس سهلاً وما زال البغاء يؤدّي وظيفةً تنفيسيّة وإشباعاً لهوامات قد لا تتيحها الحبيبة او الزوجة.

اذا كان لا بدّ من تشريع البغاء لتنهض الدولةُ، على ما يرى الشاعر الكرديّ جكر خوين، واذا كان في قوننة هذه المهنة ما يخلّص المجتمع من الاحتقان ويحمي العاملات من قوّاديهنّ وبعض زبائنهنّ العنيفين، كما يقي الزبون نفسه الامراض المعدية لدى بعضهنّ، فلماذا يظلّ السوق العموميّ في لبنان بين العلنيّة والخفاء؟ بل لماذا لا تفيد خزينة الدولة من عائداته الضريبيّة بدل جهات رسمية، سياسيّة وامنيّة، تغطّيه من خارج القانون؟ الم تكن الدعارةُ مقدّسةً في حضارتنا الكنعانيّة كما في غيرها من الحضارات، وجزءاً حيويّاً من الطقوس الدينيّة في المعابد؟

(اللوحة للرسام الفرنسي لوي لوغران )

مقالات قد تثير اهتمامك