كم هو عذب صوت مدفع رمضان!

كل المدافع أصواتها مقززة، تحكي دماراً وموتاً، إلا صوته عذب على الآذان، مؤنس ترتاح لسماعه النفوس، انه مدفع رمضان، يقول للصائم، مبارك صيامك ومقبول، هيا افطر، وشارك إفطارك، الله رحمك واعطاك وانت بدورك ارحم واعطِ.

مدفع رمضان من تراث بيروت الرمضاني، تماماً كما في أغلب المدن العربية، بدأ هذا التقليد في بيروت مع الوالي العثماني ابراهيم باشا عندما أمر العام 1859 بتثبيت مدفع كبير يتجه نحو الشرق في رابية تطل على بيروت، وعين له مدفعياً هو شيخ من آل الزغلول لقب بـ "الميقاتي" نسبة إلى توليه ضبط مواقيت الإفطار والإمساك، إضافة إلى قيامه بإطلاق 21 طلقة مدفعية إعلاناً عن حلول شهر رمضان عند ثبات رؤية الهلال. كان يطلق المدفع أحياناً في عيد الأضحى، أما حشوته، فكانت عبارة عن قطعة قماش مغمسة بالزيت ومزودة بكمية من البارود.

. بعد رحيل العثمانيين، وبداية الانتداب الفرنسي، انتقلت إدارة مدفع رمضان إلى مفوضية شؤون الإفتاء والأوقاف، ولأن هذه المفوضية اعتبرت في عداد مؤسسات الدولة الرسمية، انتقلت إدارتها إلى الفرنسيين، وعُين المايجور المتقاعد غيناردي مسؤولاً عنها.

كانت مدينة بيروت آخذة بالتوسع خارج أسوارها القديمة، فلم يعد موقع المدفع مناسباً، فارتأت سلطات الانتداب الفرنسي العام 1935، وبعد مشورة مشايخ بيروت، أن تنقله إلى منطقة تلة الخياط المرتفعة نسبياً وتشرف على أغلب أحياء بيروت الإسلامية، ولما كان هناك حاجة لحماية المدفع من العبث، ارتأت السلطات أن تجعل له مكاناً قرب مقهى يفتح حتى السحور، فكان أن جعل للمدفع مكان قرب مقهى الكوسا.

لم يكن تغيير مكان المدفع التحديث الأول لنسخته العثمانية، بل جرى أيضاً الاستغناء عن خدمات أبناء "الميقاتي"، وأوكلت المهمة إلى فوج القناصة اللبناني في جيش الشرق. استمر مدفع رمضان في آداء مهمته إلى ما بعد الاستقلال، عندما انتقلت إدارته إلى الجيش اللبناني تحت إشراف دار الفتوى، لكن السلطات اللبنانية وبعد بداية الحرب الأهلية، ارتأت أن تغير موقعه، لينتقل للمرة الثالثة إلى تلة رملية قرب دار الأيتام الإسلامية، تعرف بتلة زريق، إلى أن استسلم المدفع القديم لمدافع الحرب، فخفت صوته.

بعد نهاية الحرب الأهلية العام 1990، أصدرت الحكومة اللبنانية قراراً قضى بإعادة العمل بمدفع رمضان في الأول منه العام 1995، ولأن المدافع الحديثة يجب إبعادها عن تجمعات السكان كون مساحة بيروت وضواحيها قد تضاعفت، جرى استحداث مربض خاص لأحد مدافع الجيش اللبناني قرب السفارة الكويتية في بئر حسن، وتم توجيه المدفع ناحية البحر.

في السنوات التي تلت، تغير موقع المدفع بضع مرات.

ايمنا حلّ مدفع رمضان، لرنة طلقته زقزقة خاصة، يدعو العائلة الى التجمع للإفطار، يخلي الشوارع من المارة ليس خوفاً بل فرحة بلقاء الأحبة حول موائد رمضان، فاضرب يا مدفع رمضان، كلنا ننتظر تلك الطلقة المؤنسة.  

 

  • المعلومات التاريخية من كتابات عماد بزي، المدون والإعلامي وصاحب كتاب خلف أسوار بيروت 

 

مقالات قد تثير اهتمامك