ونستحمُّ في النهر

 
يقول الفيلسوف الرومانيّ المعاصر اميل سيوران اننا لا نصبح متسامحين إلاّ مقدار ما نفقد حيويّتنا، ومقدار ما يطيب لنا الوقوع في الطفولة. بل ايضاً، وهنا يبلغ سيوران ذروة تشاؤمه، «مقدار ما يبلغ  بنا الإعياء حدّ العجز عن تعذيب غيرنا بالحب أو بالكراهية»! فهل البشر مفطورون حقاً على الانانية والمصلحة الخاصة والشرور على اختلافها لا يأتون الخير والطيبة والعدل الا مجبرين وخدمةً لذواتهم قبل الآخرين، او دون الآخرين؟ وإذا كانت كراهية الآخر من اسباب الحروب والمآسي، فهل الحبّ بدوره، كما يقول، سبب آخر - كالكراهية - للعذاب؟ لعلّ التاريخ الشخصيّ للكاتب كما ظروف الحرب الباردة وحياته في المنفى الفرنسيّ بعيداً عن وطنه، مما اسهم في تشكيل نظرته العدمية الى العالم ورفضِه سلّم القيم، بما فيها الحبّ، العائلة (رغم انه عاد وتزوّج!)، الانجاب بل واعتراضه على وجود الانسان والحياة نفسها. 
 
ننظر الى ما يجري حولنا فنكاد لوهلةٍ نصدّق الكاتب الساخر من جدوى كلّ شيء وأيّ شيء: الحياة والاخلاق والحبّ والنظام والاولاد والله والأمل. لولا اننا نعود لنتبيّن كم تُبدّل الاوجاع رغم فداحتها من مساراتنا دافعةً اياها نحو الأنصع والأنضج. وكم يتراجع احساسنا بالعبث واللامعنى عندما نحب او ننجب او نبدع ما يخفّف من الامراض، ويقضي على الاوبئة والكوارث والمجاعات، بل ما يدفع البشر نحو مصائر اجمل وقد كانوا قبائل تهيم في الغابات فوطأوا اخيراً سطح القمر وحطّت مركباتهم على المرّيخ.
 
هل نحن محكومون بالصراع الى الأبد انطلاقاً من أنا فردية وجماعية؟ اذا كان صراع الأضداد قانوناً طبيعيّاً كما يقول هيراقليطس، فليس بالضرورة ان يقوم على الظلم. بل ان «الضدّ هو الخير لنا، والصحة والمرض واحد» بحسب تعبيره. وإننا في «الحسناء» إذ ننتصر لفيلسوف الإغريق نستحمّ، والصيف على الأبواب، في مياه نهره العظيم.
 
 

مقالات قد تثير اهتمامك