عنصرية، مبضع وصمت

ثمّة أمور نظن انه لا يختلف عليها إثنان، نختلف عليها أحيانًا حتى بيننا وبين ذواتنا، أسهل  صار، أن نغمض أعيننا عن الخطأ الصارخ، من أن نحّتج ونعترض بقوة عليه، نضحك مثلًا عند مشاهدة إعلان يظهر زوجان متقدمان في السن، قريبان إلى القلب، أنيقان، يحكيان بطلاقة وعفوية محببة ما حصل للزوجة: تعبت، داخت، ركض بها الى المستشفى، وتبين انها حامل، اعلان يفترض بنا ان نحبه وأن نضحك للنكتة في آخره بأن المستحيل قد يحصل، فنتذكّر هكذا الشركة المعلِنة واسمها، ونتناسى أن مثل هذا الإعلان يدلنا كم أننا ذكوريون بامتياز، لا نخشى مطلقًا الاستهزاء والتنكيت على فصل طبيعي من حياة المرأة، في وقت يصعُب جدًا ان يقوم إعلان يسخر من مرحلة طبيعية من حياة الرجل. لو كان يوسف حبشي الأشقر حاضرًا في هذا الزمن وسيكتب قصصًا عن "وجوه من الأرض الجديدة" (بالإذن من كتابه "وجوه من الأرض القديمة") لانتصرت "راحيله" ونساء رواياته ورجالها للذكورية في الإعلانات أيضًا وليس في الميراث فقط.، ولكانت "عطرش" خبيرة إعلان مودرن تضحك من النساء وأعمارهن ومختلف فصول حياتهن. مع انها تؤكد في كل "بوست" وكل "تغريدة" كم أنها "فيمينيست"، أغلبنا "عطرش" مودرن، تضيع منا المبادئ على باب مصالحنا، نشّمئز من الذكورية مثلا وفجأة نبشّر بها وبطريقة مخدِّرة، سلسة، ضاحكة، تتسلل الى المادة الرمادية في رؤوسنا وتتغلغل فنقبل وسوانا المرفوض من تمييز وعنصرية، ولا نعترض. 

حال الذكورية المختبئة في "غميضة" يومياتنا خلف العصّرنة وشعاراتها، من حال الفساد، تلك الكلمة الممجوجة من كثرة الاستعمال، نعيشها، نتنشّقها، نقول ونعيد أننا نرفضها، وكل مرة يقع المحظور جراءها نصرخ ونعّلي الصوت ضدها وفي الوقت عينه نطالب بالمزيد منها، تموت امرأة بسبب مبضع، نستنكر، لا نشبع من مشاركة صورتها مع طفليها على مواقع التواصل الاجتماعي، نبكي شبابها، نطالب بالعدالة لها، وغدا نغض الطرف من جديد، كما فعلنا سابقًا، نعم من قبل كم قتلتنا مباضع، كم دهستنا "واسطة" في محكمة، في وزارة، في مكتب مدير، وكم صمتنا واستسلمنا أو كم انتصرنا أحيانًا أخرى لواسطة تدعم مبضع أو مغتصب أو سارق وتنتشله من براثن العدالة، رغم كل التطور العلمي والتكنولوجي وأسرار الـ GPS ، ابرة البوصلة الخاصة بنا كأنها مصابة بمرض الباركنسون، الهزة فيها تتلو الهزة، فتقع منا المبادئ عند كل هزة، ويصبح للأسف أسهل أن نغمض أعيننا عن الأخطاء من ان نحتج ونعترض عليها.

 (افتتاحية "الحسناء" عدد حزيران/يونيو 2017)

مقالات قد تثير اهتمامك