الأمومة المتأخرة بين الأمنيات والمخاطر

لم تدرك رنا للوهلة الاولى ان تأخر العادة الشهرية عن موعدها المعتاد لمدة شهرين، هو دليل قطعي على انّها حامل. كانت شكوكها مقتصرة على انّها دخلت مرحلة انقطاع الطمث، فهي على وشك الانتهاء من سن الاربعين، ولكنّ المفاجأة كانت إن رنا تنتظر مولودها الاول.

تغيرت مفاهيم الحمل والامومة في السنوات الاخيرة، وخصوصاً بعد ارتفاع معدل سن الزواج واتجاه النساء الى الاهتمام بمستقبلهن العملي قبل التفكير في الزواج المبكر وتكوين أسرة. اتجاه جديد في المجتمعات العربية التي عادة ما تنظر الى الامومة من منظار صعوبة الحمل بعد سن الخامسة والثلاثين، وهو ما يُعد حقيقة إذا ما ربطنا ذلك بالحقيقة العلمية والطبية التي تتحدث عن صعوبات في الحمل وعلى مخاطر قد تصيب الجنين إذا حملت المرأة في سن متأخرة.

نشرت صحيفة Elpais الاسبانية، أخيراً دراسة حللت فيها العلاقة بين الامومة المتأخرة والقدرات المعرفية للاطفال. قد تبدو النتائج بالنسبة الى البعض صادمة، ولكن الدراسة أثبتت انّ الاطفال الذين ولدوا لامهات ترواحت اعمارهن بين 35 و39 عاما حققوا نتائج ايجابية اكثر من حيث القدرات المعرفية من ابناء الامهات الشابات. ثمة عوامل كثيرة اخرى تركز عليها الدراسة، ومنها انّ الامهات اللواتي ينجبن في سن متأخرة عادة ما يكن في مستوى اقتصادي واجتماعي مريح يسمح لهن بالحرص على متابعة حالتهن الصحية اثناء الحمل. كما انّ هؤلاء الامهات يشغلهن اكثر ان يحظى ابنائهن بمستوى متقدم في الدراسة والثقافة والحالة الاقتصادية. كما تورد الدراسة انّ الامهات الكبيرات في السن يستخدمن العقاب والعنف اللفظي بمعدل أقل من الامهات الاكثر شباباً، وهو ما يوفر للاطفال حياة عاطفية جيدة.

لا يعني هذا بالطبع ان تنتظر النساء لانجاب طفل في عمر متقدّم، ولكن الحقيقة فانّ دون الانجاب في سن متأخرة عوامل كثيرة ابرزها صعوبات العمل وعواقب الازمات الاقتصادية، اضافة الى ارتفاع معدل الزواج وتطور الحياة العملية والطموحات المهنية. وفي مقابل هذه الحقائق مجتمعة، فانّ مسألة اخرى اشد خطورة تبرز لدى الحديث عن الوضع الصحي للمرأة التي تتأخر في الزواج، وهي انّ عقارب الساعة البيولوجية تتسارع بعد سن الثلاثين، وهو ما يجب على المرأة التنبه له.

رنا أو"الوالدة العجوز"؟

بالنسبة الى رنا فانّها كانت تدرك ذلك تماماً، تأخرها في الزواج ارتبط مباشرة بدراستها والعمل وحاجتها الى تحصيل شهادة الدكتوراه. فعملها في مجال اعداد الافلام الوثائقية لم يترك لها المجال الكافي للتفرغ الى حياة عاطفية قد تؤدي الى زواج مبكر. تزوجت رنا قبل سنتين، من رجل مطلق وله ولدين، وحلمها بانجاب طفل لم يعد موجوداً لاعتقادها بانّها كبرت في السن، ولكنّ ذلك لم يكن حقيقة فحملت في السنة الثانية. تعرضت رنا الى مشاكل صحية كثيرة استطاعت تجاوزها بفعل اصرارها على متابعة حالتها الصحية بشكل استثنائي، ولكن ذلك لم يعفها من ولادة قيصرية مبكرة. تضحك رنا عندما تصف نفسها بالام العجوز، "نكبر انا وابني جاد بوتيرة سريعة"، وتبدي انزعاجها من النصائح المستمرة من قبل اقربائها بضرورة الانتباه الى صحتها من اجل ابنها. فبالنسبة اليها فانّ عامل السن أعطاها ثقة اكبر بنفسها وبطريقة رعايتها لجاد، وهو ما جعلها تتخلى عن كثير من عروضات العمل من اجله، واضطرارها الى البحث عما يتناسب مع حالتها الاجتماعية الجديدة. اكثر ما يزعج رنا اليوم هو انّ فكرة انجاب طفل ثانِ قد تبدو مستحيلة كما أكدّ لها الاطباء، ولكنّها على الرغم من ذلك تبدي قناعة كبيرة لامومتها المتأخرة، "لقد استطعت ان احقق نجاحاً في عملي، وها انا اليوم قد حصلت على لقب أم وهو اللقب الأحب الى قلبي".

فاديا ووسواس الامومة المتأخرة

لا تبدو الامور مقنعة ومرضية بالنسبة الى فاديا، العروس الجديدة. لم يمض على زواجها أشهراً، ولكنها تعيش هاجس الانجاب، وخصوصاً انّها اصبحت في السابعة والثلاثين من عمرها. قصدت فاديا طبيباً نسائياً قبل زواجها واجرت فحوصات مخبرية كاملة تأكدّت بانّها لا تعاني من مشاكل صحية تجعل إمكانية حملها صعبة، ولكن الطبيب أشار لها عن بعض الصعوبات في الحمل نظراً لتجاوزها سن الخامسة والثلاثين. تتسلح فاديا بايمانها بانّها ستصبح اما يوماً ما، وبالتقنيات الطبية الحديثة التي لم تعد تجعل من اي شيء مستحيلاً، وهو ما يزيدها قناعة بانّ زواجها سيتكلل بطفل او اكثر. تتحدث فاديا عما تعتبره "وسواس" الامومة المتأخرة، "لا افكر في شيء سوى في الانجاب، ولا استطيع ان اعيش حياة سليمة بدون اولاد. وحتماً لن اتأخر كثيراً قبل الاتجاه الى وسائل الحمل عبر التلقيح او ما شابه، فهو حلمي ولن اتخلى عنه".

اسئلة واجوبة

ففي اي عمر يصبح هناك خطراً على السيدة ان تحمل، الى اي مدى يُعد من الصعوبة ان يثبت حمل المرأة بعد سن الخامسة والثلاثين، ما هي الوسائل التي يمكن اللجوء اليها في حال لم يثبت الحمل وهل ينفع مع تقدّم السيدة في العمر، ما هي الامراض التي يمكن ان يُصاب بها الاطفال المولودون من سيدة متقدمة في السن، وهل هناك من امكانية للسيدة التي انجبت طفلاً في سن متقدمة ان تنجب اطفالا اخرين؟ حملنا هذه الاسئلة الى الطبيب النسائي الدكتور ناجي اسود للحصول على المعلومات الدقيقة، وأشار بداية الى ان معظم الأطباء ينصحون السيدات بالحمل لغاية سن الخامسة والثلاثين، لأن المخاطر على الأم والجنين تكون قليلة جدا مقارنة بعمر السيدة بعد الخامسة والثلاثين. ويعتبر اسود ان هذه المخاطر تزيد بشكل طفيف بعد سن الخامسة والثلاثين وتبدأ بالازدياد التصاعدي بعد سن الاربعين. لذا ومن حيث الارقام فانه لغاية عمر الخامسة والثلاثين فان خطر المراة ان لا تحمل هو بحدود الـ10 الى 15 بالمئة، يزيد الى 35 بالمئة في عمر الاربعين، وبعد سن الـ45 تصبح نسبة مخاطر ان لا تحمل المرأة بحدود الـ90 بالمئة.

الى ذلك، فانه ومن ناحية المخاطر على الصحة، فان كانت المرأة بصحة جيدة فلا خطر عليها او على الجنين، ولكن بعد الاربعين فمن الطبيعي ان يكون هناك مشاكل صحية، ومن هنا تبدأ المخاطر بالازدياد مثل الضغط او السكري او امراض القلب او الكلى او العيون. فالسيدات الاكبر سناً من 35 عاماً، يكن اكثر عرضة للاصابة بارتفاع ضغط الدم او السكري اثناء الحمل، وهما حالتان يمكن ان تؤثرا على الام والجنين اثناء الحمل. ويتابع اسود: "من هنا ننصح السيدة بالحمل في سن غير متقدمة، ونؤكد بانها اذا انجبت للمرة الاولى في هذه السن فهناك احتمال الى ان تعود وتجنب مرة ثانية، ولكن الاحتمالات تصبح ضئيلة. اما من ناحية المخاطر على الجنين فانّها ستزداد حتما بعد سن الخامسة والثلاثين وخصوصا التشوهات في الكروموزوم والاعاقة، اضافة الى المشاكل على صعيد الاجهاض".

وغالباً فانّ المشاكل التي تعترض المرأة في سن متقدمة تتعلق بانخفاض الخصوبة، ويحصل ذلك عندما يتراجع معدل الاباضة لدى المرأة. يُضاف الى ذلك فانّ اكثر مخاوف الحمل المتأخر هو احتمال ان يعاني الطفل من مشاكل جينية وخصوصاً "متلازمة داون" او التأخر العقلي.

ولضمان الحصول على حمل آمن وصحي بعد سن الخامسة والثلاثين،على السيدة اتباع القواعد الاساسية التالية:

-الحصول على رعاية مبكرة واجراء فحوصات مبكرة قبل الزواج وفي الفترات التي تسبق حدوث الحمل.

-الحرص على تناول المأكولات الصحية والحصول على وزن مثالي.

-تناول المكملات الغذائية والفيتامينات التي ينصح بها الاطباء.

-الامتناع عن التدخين او تعاطي الكحول، والتوقف عن تناول الادوية بدون استشارة الطبيب.

مقالات قد تثير اهتمامك