مشير عون حول هايدغر: لا وجود للفرد في الاسلام؟

مشير عون حول هايدغر: لا وجود للفرد في الاسلام؟

ايّ متعة حصّلتُ من اجتماع الصرامة المنهجية مع وضوح القول في كتاب مشير عون "هايدغر والفكر العربيّ" الصادر عن المركز العربيّ للدراسات ودراسة السياسات، في ترجمة ايلي انيس نجم. لم اعرف هايدغر الا من مقالات لخّصت فكره وبأنه "اوّل من افتضّ مناطق عذراء في الفلسفة بعد اليونان"، بحسب احد الكتّاب. كما عرفته من كتاب صغير الحجم للشاعر والصديق الراحل فؤاد رفقة عنوانه "الشعر والموت" تناول فيه نظرة الفيلسوف الى الشعر باعتباره اقرب ادوات الانسان ل"الاصغاء الى الكون" بعيداً من الذاتية الانسانية التي حوّلت الاحساسات الى موضوعات في تاريخ الفلسفة الغربية وتخلّصاً من العقلانية التي قادت الانسان الى السقوط في مهاوي التقنية والحروب المدمّرة. ولذلك استعان هايدغر في فلسفته بقصائد شعراء كهولدرلين ونوفاليس. ولعلّ هذا ما حمّس رفقة لإعداد الدكتوراه في الفلسفة عنه في جامعة ألمانية. ويروي في كتابه وقائع زيارته الفيلسوف في كوخه في احدى الغابات منتصف ستينات القرن الماضي.

سيل من التفنيد للانثروبولوجيا الأُنطولوجيّة لدى هايدغر التي تستعين بالعقل لانتقاد كل الفلسفة العقلانية ورفضها، و"اذا اعتزم فكر هايدغر تحرير الانسان من اوهامه التسلطية، فلن يسعه تجريده من ذاته ووعيه ان يكون وان يودّ الاستمرار في ان يكون ذاتاً مسؤولة عن وجودها كما عن وجود العالم". ويقول عون مع بول ريكور ان جعل الانسان يقتبل ما يوعز به اليه الكون، كما يريد هايدغر، لا يتم الا باعتبار الانسان نفسه نافذة الكون على العالَم. وحول تكريم الفيلسوف للشعر والشعراء يقول  عون "اذا ثبتَ ان الشعر يساهم بطريقة جماليّة بامتياز في تأتّي الحقيقة، فإن التماس اللغة الشعرية لا يفترض به ربما ان يحلّ بالكامل محل الحجاجيّة العقلانية".

القسم الثاني من الكتاب: "الرؤية الهايدغريّة للانسان في وجه الرؤيا العربية للانسان". ويرى فيه الكاتب ان الرؤية العربية الشاملة للانسان انما تنتسب الى "هذه الخلفية الدينية حيث تحكم فضائل ثلاث اساسية الموقف الاصليّ للإنسان العربيّ، اعني بها التسليم (islâm) والوثوق (imân) والبِرّ (ihsân). لا يسعنا تصوّر الانسان الا في السياق المحدد العائد الى علاقته بالكلمة الإلهية، الى درجةٍ انه لا وجود في الاسلام لفردٍ يتخذ القرار ويبادر الى الاختيار من تلقاء نفسه. وبالتالي يتخذ الاعتراض الفلسفيّ معناه بالكامل شريطة ان يلتزم أوّليّة الرأي الدينيّ والعقيدة، نظراً الى طابعهما المقدّس" بحسب تعبيره. فالعقل الاسلامي هو عقلٌ جماعيّ مرتبطٌ بالامّة. و"لئن دافع الاسلام الشيعيّ عن فكرة الامام المعصوم، فالاسلام يعتبر الامّة على العموم (...) مرجعاً هيرمينوطيقيّاً وحيداً ومعصوماً".

ومن ذلك يستنتج الباحث اللبنانيّ ان "انعدام الاكليروس من المجتمع الاسلامي لن يعني انه جسم اجتماعيّ مدنيّ. بل على العكس تماماً، يبقى مجتمعاً ثيوقراطياً لان كلّ فرد فيه يؤدي الشهادة للانسان امام الله، بالرجوع الى نظام القيم والامتثال له، وهو النظام الذي انزله الله وفرضه على الانسانية جمعاء". ويخلص الى انه فيما يرى هايدغر الى الانسان من زاوية ما يربطه بالعالم والزمان والتاريخ، يربطه الاسلام بمشيئة إله يقيم خارج العالم والزمن والتاريخ. وبالتالي "فإننا ازاء انثروبولوجيّتين مختلفتين بحيث لا ينمّ تقاطعهما الممكن عن اي تقارب في العمق". كتاب ممتع في 190 صفحة، يستحقّ المناقشة والحوار والنقد من اصحاب الاختصاص.

مقالات قد تثير اهتمامك